بقلم: المهندس محمد عصمت
خبير التحول الرقمى والامن السيبرانى والحوكمه
قد تبدأ الشائعة بضغطة مشاركة، وتنكشف خصوصية أسرة بصورة منشورة، ويتعرض حساب للاختراق بسبب رسالة تبدو موثوقة. وفي المقابل، قد تفتح منصة تعليمية بابًا للمعرفة، وتختصر خدمة إلكترونية ساعات من الانتظار، وتتيح مبادرة رقمية فرصة للمشاركة المجتمعية. وبين هذه المواقف تتحدد قيمة المواطنة الرقمية: كيف نستفيد من التكنولوجيا، ونمارس حقوقنا، ونتحمل مسؤولية أثرنا في الآخرين؟
لقد أصبح الفضاء الرقمي جزءًا من المجال العام؛ نتعلم ونعمل ونتعامل ونعبر عن آرائنا داخله. ولذلك فإن بناء المجتمع الرقمي يحتاج، إلى جانب البنية التكنولوجية، إلى إنسان يمتلك المعرفة والقدرة على التمييز والالتزام الأخلاقي. فامتلاك هاتف ذكي يمنح صاحبه وسيلة للاتصال، لكنه لا يمنحه تلقائيًا أدوات الفهم أو حسن التصرف .
المواطنة الرقمية.. معرفة ومهارة ومسؤولية
يمكن فهم المواطنة الرقمية باعتبارها القدرة على المشاركة الواعية والآمنة والمسؤولة في المجتمع من خلال التكنولوجيا، مع احترام حقوق الإنسان وكرامته. وهي تجمع بين مهارات الاستخدام، والتفكير النقدي، وحماية الخصوصية، واحترام الآخرين، والمشاركة الإيجابية .
ويقدم مجلس أوروبا إطارًا تربويًا يجمع كفاءات المواطنة الرقمية في ثلاثة محاور: الوجود على الإنترنت، والرفاه في البيئة الرقمية، والحقوق الرقمية. ويشمل هذا الإطار مجالات مثل الإتاحة والشمول، والثقافة الإعلامية والمعلوماتية، والأخلاق والتعاطف، والخصوصية والأمن، والمشاركة الفاعلة. وتوضح هذه الرؤية أن المواطنة الرقمية تمتد إلى جودة الحياة والعلاقات الإنسانية، إلى جانب إتقان الأدوات .
ومن هنا، فإن اختزالها في التحذير من الاختراق أو تحديد ساعات استخدام الهاتف يفقدها جانبًا مهمًا من معناها. فالمواطن الرقمي الواعي يستطيع حماية حسابه، وفحص المعلومة، وإدارة اختلافه مع الآخرين، وتوظيف المعرفة لخدمة نفسه ومجتمعه .
التفكير النقدي قبل إعادة النشر
تبدأ المسؤولية المعرفية من إدراك أن انتشار المحتوى لا يثبت صحته، وأن كثرة التفاعل معه لا تمنحه مصداقية علمية. فقد تكون الصورة صحيحة لكنها منشورة في سياق مختلف، وقد يكون التصريح قديمًا، وقد يقدم عنوان مثير استنتاجًا لا تدعمه التفاصيل .
ولهذا، يحتاج المستخدم إلى التوقف قبل المشاركة: من المصدر الأصلي؟ ومتى نُشرت المعلومة؟ وما الأدلة التي تستند إليها؟ وهل تؤكدها مصادر مستقلة موثوقة؟ وهل يعرض المحتوى حقيقة قابلة للتحقق، أم رأيًا، أم إعلانًا؟
ومن المهم كذلك فهم الفرق بين التجربة الفردية والدليل العلمي. فرواية شخص عن نجاح علاج أو أداة تعليمية لا تكفي وحدها لتعميم النتيجة. وتزداد أهمية هذا التمييز عندما يتعلق المحتوى بالصحة أو المال أو السلامة العامة؛ إذ يمكن أن تتحول مشاركة حسنة النية إلى ضرر واسع .
ويمكن تبني قاعدة عملية بسيطة: كلما زادت خطورة المعلومة، زادت الحاجة إلى التحقق منها قبل تداولها .
الخصوصية تبدأ باحترام حدود الآخرين
تشمل الخصوصية تفاصيل قد تبدو عادية: الموقع الجغرافي، وصور الأطفال، والوثائق، والمحادثات، ومواعيد السفر، والبيانات المهنية. وقد يؤدي جمع هذه التفاصيل إلى كشف معلومات لم يقصد صاحبها إتاحتها .
وتقتضي المواطنة الرقمية أن نسأل قبل النشر: هل أملك حق مشاركة هذه البيانات؟ وهل وافق أصحابها؟ وهل يتطلب الغرض نشرها كاملة؟ فإتاحة صورة لشخص داخل مجموعة محدودة لا تعني موافقته على نشرها للجمهور، والوصول إلى وثيقة بحكم العمل لا يمنح حق تداولها خارجه .
وعلى المستوى الفردي، ينبغي تحويل الحماية إلى عادات يومية: استخدام كلمات مرور طويلة وفريدة، وتفعيل المصادقة متعددة العوامل حيثما توفرت، وتحديث الأجهزة، ومراجعة أذونات التطبيقات، والتحقق من طلبات مشاركة البيانات. وتحتاج الرسائل التي تثير الخوف أو تستعجل التصرف إلى عناية خاصة؛ فالاستعجال قد يعطل التقدير السليم .
أخلاق الحوار وحماية الكرامة
خلف كل حساب إنسان له كرامة ومشاعر وحقوق. والمسافة التي تصنعها الشاشة لا تلغي أثر الإهانة، كما أن الاسم المستعار لا يعفي صاحبه من المسؤولية الأخلاقية .
ويظهر النضج الرقمي في القدرة على مناقشة الفكرة بالحجة، واحترام الاختلاف، وتجنب التشهير والتنمر وكشف البيانات الشخصية. وتظهر المسؤولية أيضًا في الامتناع عن إعادة نشر الإساءة لمجرد التعليق عليها؛ لأن تداولها قد يوسع نطاق الضرر الواقع على صاحبها .
وفي التعامل مع الأطفال، تحتاج الأسرة إلى بناء الثقة والحوار، وتعليم الطفل كيف يطلب المساعدة عندما يتعرض لتهديد أو ابتزاز أو محتوى مزعج. ومن المفيد أن يعرف مسبقًا أن إبلاغ أسرته سيقابَل بالدعم ومعالجة الموقف، حتى لا يتحول الخوف من العقاب إلى سبب للصمت .
الذكاء الاصطناعي يرفع سقف الوعي المطلوب
أضاف الذكاء الاصطناعي التوليدي فرصًا مهمة للتعلم والإبداع والإنتاج، لكنه جعل تقييم المحتوى أكثر تعقيدًا. فأصبح من الممكن إنتاج نصوص وصور ومقاطع صوتية تبدو مقنعة، بينما تفتقر إلى الدقة أو تنسب إلى أشخاص ما لم يقولوه .
وهنا تتسع المواطنة الرقمية لتشمل فهم حدود هذه الأدوات. فالإجابة المصاغة بلغة واثقة تحتاج إلى التحقق، والمراجع المذكورة تستلزم مراجعة وجودها وصحتها، والصورة الواقعية قد تحتاج إلى البحث عن أصلها وسياقها .
وتؤكد اليونسكو في إرشاداتها لاستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم والبحث أهمية النهج الذي يضع الإنسان في المركز، ويحمي البيانات، ويخضع الأدوات للتقييم الأخلاقي والتربوي. كما تؤكد توصيتها بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي بقاء المسؤولية البشرية والرقابة والشفافية عناصر أساسية في استخدامه .
وترجمة ذلك عمليًا تعني مراجعة المخرجات قبل اعتمادها، وتجنب إدخال بيانات شخصية أو وثائق عمل سرية في أدوات غير معتمدة، والإفصاح عن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي عندما يكون ذلك مؤثرًا في الثقة أو مطلوبًا وفق قواعد المؤسسة. وتظل مسؤولية النشر والقرار قائم
