إعلان الرئيسية

رئيس مجلس الإدارة
د.محمد مصطفي كمال
رئيس التحرير
ابراهيم عبدالله



بقلم: جمال عبد الحميد جاد الرب

ظلّت العلاقات الحكومية لسنوات طويلة تُقدَّم داخل بعض المؤسسات باعتبارها إدارة خدمية، تنحصر مهمتها في استخراج الرخص والتصاريح وتجديد الإقامات ومتابعة المعاملات. غير أن التجربة العملية تكشف أن هذا التصور لم يعد مناسبًا لحجم التحولات التي تشهدها بيئة الأعمال. فالعلاقات الحكومية اليوم ليست نافذة تقف عندها المؤسسة لإنهاء أوراقها، بل عين تقرأ المتغيرات، وعقل يترجم التشريعات، وجسر يحمي استمرارية الأعمال ويصل بين القطاع الخاص والجهات الرسمية.


في كل قرار حكومي جديد توجد رسالة تتجاوز نص التعميم. تعديل نسبة الالتزام بنظام حماية الأجور، أو تحديث منصة لتسجيل المشروعات، أو تغيير متطلبات ترخيص نشاط ما، لا يمثل إجراءً منفصلًا؛ بل قد يؤثر في السيولة والتوظيف والجداول الزمنية والعقود وعلاقة المؤسسة بعملائها. ومن هنا تبدأ القيمة الحقيقية لمسؤول العلاقات الحكومية: أن يفهم الأثر قبل وقوعه، وأن ينقل المعلومة إلى الإدارة بلغة واضحة قابلة للتنفيذ، لا أن ينتظر حتى تتحول الملاحظة البسيطة إلى مخالفة أو أزمة.


لقد علّمتني سنوات العمل أن المعاملة الناجحة لا تبدأ عند شباك الجهة الحكومية، وإنما تبدأ داخل المؤسسة نفسها. تبدأ من مستند صحيح، وبيانات متطابقة، ومسؤوليات محددة، وجدول زمني معروف للجميع. كثير من التأخير الذي يُنسب إلى الإجراءات الخارجية يكون سببه في الحقيقة نقصًا داخليًا: جواز غير واضح، شهادة غير مصدقة، عقد لم يُراجع، دفعة لم تُعتمد، أو معلومة وصلت متأخرة. لذلك فإن إدارة العلاقات الحكومية المحترفة لا تكتفي بالمتابعة، بل تبني نظامًا يمنع الخطأ قبل أن يصل إلى الجهة المختصة.


وهذا الدور يحتاج إلى ثلاثة أنواع من المعرفة. أولها المعرفة التشريعية؛ أي فهم القوانين واللوائح والتعاميم وتواريخ تطبيقها. وثانيها المعرفة التشغيلية؛ أي إدراك طبيعة أعمال الشركة، ومراحل مشروعاتها، والتزاماتها تجاه الموظفين والعملاء والمقاولين. أما الثالثة فهي معرفة الاتصال: كيف نعرض الطلب باحترام، وكيف نفسر موقف المؤسسة بدقة، وكيف نطلب الاستثناء أو المهلة دون أن نفقد المصداقية. فالخطاب الرسمي ليس كلمات منمقة، بل ملف موقف كامل، وكل جملة فيه قد تساعد على الحل أو تعقّده.


الثقة هنا هي رأس المال الأكبر. الجهات الحكومية تتعامل يوميًا مع آلاف الطلبات، لكنها تميّز المؤسسة التي تحترم النظام، وتقدم بيانات صحيحة، وتفي بتعهداتها، وتعود إلى المسؤول بالمستند المطلوب في الوقت المحدد. هذه السمعة لا تُشترى ولا تُبنى بمكالمة واحدة؛ إنها حصيلة سنوات من الدقة والوضوح. وعندما تحتاج المؤسسة إلى معالجة حالة استثنائية، تصبح الثقة السابقة عاملًا حاسمًا في سرعة فهم موقفها والتعاون معها ضمن حدود القانون.


كما أن مسؤول العلاقات الحكومية ليس محاميًا عن الخطأ. من واجبه أن يدافع عن حق المؤسسة، لكن من واجبه أيضًا أن يقول للإدارة بوضوح: هذا الإجراء غير سليم، وهذه المخاطرة قد تكلّفنا غرامة أو توقفًا أو نزاعًا. الشجاعة المهنية لا تظهر في القدرة على تمرير المعاملات، بل في القدرة على إيقاف القرار الخاطئ قبل أن يتحول إلى عبء. ولذلك يجب أن يكون هذا المسؤول قريبًا من اجتماعات التخطيط، لا حاضرًا فقط عند ظهور المشكلة.


وتفرض المرحلة الحالية انتقالًا إضافيًا نحو إدارة البيانات. فالمؤسسة التي تدير عشرات الرخص ومئات الموظفين وعدة مشروعات لا تستطيع الاعتماد على الذاكرة أو الرسائل المتفرقة. المطلوب لوحة متابعة توضح تواريخ الانتهاء، وحالة كل طلب، والمستندات الناقصة، والجهة المسؤولة، والمخاطر المتوقعة. عندما تتحول المعاملات إلى بيانات، تستطيع الإدارة التنبؤ والقياس والمحاسبة، ويتحول العمل من رد فعل إلى أداء استباقي.


إن أفضل إدارات العلاقات الحكومية هي التي لا يسمع عنها الناس كثيرًا؛ لأن المشكلات تصل إليها قبل أن تكبر، والمواعيد تُدار قبل أن تنتهي، والقرارات تُشرح قبل أن تُساء قراءتها. نجاحها الحقيقي ليس في عدد المعاملات التي أنجزتها فقط، بل في عدد الأزمات التي منعت حدوثها، والفرص التي ساعدت المؤسسة على اقتناصها، والثقة التي صنعتها مع الجهات الرسمية.


لهذا أرى أن الوقت قد حان لتغيير موقع العلاقات الحكومية في الهيكل الإداري وفي الوعي المؤسسي. فهي ليست مكتبًا لختم الأوراق، بل شريك في الحوكمة وإدارة المخاطر وصناعة القرار. وكل مؤسسة تمنح هذا الدور ما يستحقه من صلاحيات وأدوات وتدريب، لا تختصر الوقت والمال فحسب، وإنما تبني لنفسها طريقًا أكثر أمانًا واستدامة في بيئة تتغير كل يوم.


كاتب وخبير في العلاقات الحكومية

بوابة الأهرام أعلن هنا
بوابة الأهرام أعلن هنا