إعلان الرئيسية

رئيس مجلس الإدارة
د.محمد مصطفي كمال
رئيس التحرير
ابراهيم عبدالله


 د.رانيا أنور حامد

استشاري التنمية المستدامة وأخصائي جودة الرعاية والحوكمة


بين العوامل الوراثية والضغوط النفسية… هل حان وقت الوقاية الاستباقية؟


وبرغم أن مصر سجلت — تبعًا لتقرير منظمة الصحة العالمية WHO لعام 2021 الخاص بمعدل الوفيات الانتحارية لكل 100 ألف من السكان — واحدًا من أقل المعدلات عالميًا، حيث بلغ المعدل نحو 0.6 حالة لكل 100 ألف نسمة، فإن ذلك لا يمنع أهمية التعامل الجاد والاستباقي مع الملف، خاصة مع تزايد الضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية، واتساع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والعنف الرقمي على الصحة النفسية، خصوصًا لدى الشباب.


ومع تزايد الحديث مؤخرًا عن حالات الانتحار ومحاولاته ليس فقط محليا، يعود سؤال شديد الحساسية إلى الواجهة:

هل يمكن التنبؤ بالخطر قبل وقوعه؟ وهل أصبح لدينا من العلم والبيانات ما يسمح ببناء خطط وقاية حقيقية بدلًا من الاكتفاء بردود الفعل بعد الكارثة؟


تشير أبحاث علمية منشورة في دراسات الطب النفسي الوراثي إلى أن الأدلة المستخلصة من دراسات التوائم تدعم بقوة وجود مساهمة جينية في السلوك الانتحاري، حيث قُدّرت الوراثة المرتبطة بالسلوك أو المحاولات الانتحارية بنحو 43%، بينما أشارت بعض الدراسات الكبرى إلى أن النسبة قد تصل إلى 55% في المحاولات الجادة.


لكن العلماء يؤكدون في الوقت نفسه أن الجينات ليست “حكمًا نهائيًا”، بل أحد العوامل ضمن شبكة معقدة تشمل المرض النفسي، والصدمات، والضغوط الاجتماعية، والعنف، والعزلة، والإدمان، والأزمات الاقتصادية، والتفكك الأسري، إضافة إلى التأثير المتزايد للعنف الرقمي والتنمر عبر وسائل التواصل الاجتماعي.


ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، ينتحر أكثر من 720 ألف شخص سنويًا حول العالم، ويُعد الانتحار ثالث سبب للوفاة بين الفئة العمرية من 15 إلى 29 عامًا، بينما تحدث 73% من الحالات في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل. كما تشير التقديرات إلى أن كل حالة انتحار تقابلها محاولات عديدة أخرى، بينما تظل محاولة الانتحار السابقة من أهم عوامل الخطر المرتبطة بتكرار المحاولة أو الوفاة لاحقًا.


لكن السؤال الأهم اليوم ليس فقط: لماذا يحدث الانتحار؟

بل: هل قمنا بما يكفي لفهم الأنماط المشتركة ومحاولة منع الخطر مبكرًا؟


◾فنحن نعيش في عصر البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي والتحليل السلوكي.

 الحالات التي شهدناها خلال السنوات الماضية — سواء المكتملة أو محاولات الانتحار — تمثل قاعدة معلومات ضخمة يمكن دراستها وتحليلها لاكتشاف العوامل المتكررة والمؤشرات المبكرة، بما يسمح ببناء تدخلات وقائية أكثر دقة وفاعلية.


◾كما أصبح الذكاء الاصطناعي نفسه قادرًا على المساهمة في الاكتشاف المبكر للخطر، من خلال تحليل أنماط المنشورات والرسائل والسلوك الرقمي التي قد تعكس مؤشرات نفسية مقلقة. وتقوم بعض المنصات والتطبيقات بالفعل بإظهار رسائل دعم وتحذير عند رصد عبارات مرتبطة بإيذاء النفس، مع تشجيع المستخدم على التواصل مع شخص قريب أو طلب المساعدة المتخصصة، بل وإتاحة الوصول المباشر إلى جهات وخطوط الدعم النفسي والطوارئ.


◾لكن نجاح هذه المنظومة يتطلب وجود كوادر مؤهلة ومدربة علميًا للتعامل مع الحالات الحساسة بسرعة واحترافية وإنسانية، بعيدًا عن الوصمة أو التهويل أو إصدار الأحكام.


وبجانب المحاولات الوطنية والمبادرات القائمة، مثل خط الدعم النفسي ، ربما حان الوقت للتفكير بجدية في تبني سياسات وطنية أكثر شمولاً للصحة النفسية، مثل:


١ـ إجراء مسح نفسي دوري  وآمن للطلاب والموظفين


٢ـ توفير قنوات إحالة مبكرة للدعم النفسي بسرية واحترام


٣ـ إنشاء فرق دعم نفسي سريع داخل المدارس والجامعات والمحاكم وأماكن العمل


٤ـ دمج أدوات التقييم النفسي الإلكتروني ضمن المبادرات الصحية والرئاسية مثل الكشف المبكر عن سرطان الثدي ،حياة كريمة 


٥ـ الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي والتحليل السلوكي الرقمي في الاكتشاف المبكر للمخاطر النفسية


٦-تدريب “سفراء دعم نفسي” داخل المؤسسات والهيئات المختلفة تحت إشراف متخصصين معتمدين


إلزام فرق الدعم والسفراء النفسيين بالتدريب على أخلاقيات الخصوصية وسرية المعلومات وحماية البيانات وعدم الوصم


توقيع تعهدات واضحة لحماية البيانات النفسية ومنع إساءة استخدامها أو تداولها خارج الأطر المهنية


وضع آليات متابعة وتقييم دوري لضمان الجودة والكفاءة


٧- كما يمكن دعم إنشاء مجتمعات آمنة ومسانِدة نفسيًا، مجانية أو منخفضة التكلفة، تضم متخصصين ومتطوعين ومتعافين ورفقاء دعم، بحيث توفر مساحة إنسانية للاستماع والاحتواء والمشاركة دون خوف أو سخرية أو أحكام مسبقة، خاصة للفئات الأكثر عزلة أو التي يصعب عليها الوصول إلى خدمات العلاج النفسي التقليدية.


٨-كما يجب تعزيز المسؤولية المجتمعية والإعلامية في التعامل مع هذه القضايا الحساسة، وتطبيق القوانين المنظمة على كل من يتعمد تشويه صورة المنتحر أو الناجي من محاولة الانتحار أو التنمر عليه أو انتهاك خصوصيته عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لما قد يسببه ذلك من أذى نفسي مضاعف للأسر والناجين، فضلًا عن ترسيخ الوصمة المرتبطة بالصحة النفسية.


٩-ومن الضروري أيضًا إيلاء اهتمام خاص بالأطفال المرتبطين بحالات الانتحار أو محاولاته داخل الأسرة أو المحيط القريب، من خلال تقديم دعم نفسي مبكر ومتخصص، لأن الأطفال قد يحملون آثار الصدمة بصمت لسنوات إذا لم يتم احتواؤهم بصورة صحيحة.


فالوقاية النفسية،  أصبحت جزءً من الأمن المجتمعي والصحي والاقتصادي.

إن بناء منظومة حقيقية للوقاية النفسية لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة لحماية الإنسان قبل أن يتحول الألم الصامت إلى خبر جديد على صفحات الحوادث.

بوابة الأهرام أعلن هنا
بوابة الأهرام أعلن هنا