إعلان الرئيسية

رئيس مجلس الإدارة
د.محمد مصطفي كمال
رئيس التحرير
ابراهيم عبدالله

بقلم د.رانيا أنور 

استشاري التنمية المستدامة. 

استشاري طب وجراحه الفم والأسنان .

أصبحت اقتصاديات الصحة اليوم أحد أكثر الملفات إلحاحاً على أجندة صناع القرار، في ظل الارتفاع المتسارع لتكاليف الرعاية الصحية، وتزايد الطلب على الخدمات، وتنامي التحديات الوبائية والبيئية والاقتصادية. ولم يعد السؤال المطروح هو: كم ننفق على الصحة؟

 بل كيف ننفق، وعلى أي أساس، وبأي عائد صحي واجتماعي واقتصادي؟

 فالنظام الصحي القادر على الاستمرار ليس النظام الأعلى ميزانية، بل النظام الأكثر كفاءة في الإدارة، والقادر على إصدار قرارات رشيدة، و الأكثر عدالة في التوزيع، والأعلى قيمة في توظيف واستثمار الموارد. ومن هنا يبرز الدور المحوري لكل من الحوكمة الرشيدة والاستدامة كمدخلين أساسيين لإعادة تشكيل منظومة اقتصاديات الصحة.

 الحوكمة: أداة اقتصادية لتعظيم القيمة

الحديث عن الحوكمة في القطاع الصحي يتجاوز فكرة الرقابة الإدارية إلى مفهوم أوسع يشمل وضوح الأدوار والمسؤوليات، وشفافية اتخاذ القرار، والمساءلة، والمشاركة، والاعتماد على البيانات في التخطيط والتقييم. 

وعندما تتوافر هذه العناصر، تصبح الموارد الصحية أكثر قدرة على تحقيق أقصى منفعة ممكنة، وقل فرص الهدر وسوء الاستخدام، وتتحسن جودة الخدمات المقدمة للمواطنين. 

وتتحول الحوكمة من مفهوم إداري إلى أداة اقتصادية تساهم في تعظيم القيمة مقابل المال.

 الاستدامة: ميثاق بين الحاضر والمستقبل 

أما الاستدامة، فهي التعبير العملي عن التفكير طويل المدى في السياسات الصحية. فهي تعني بناء نظام صحي قادر على الاستمرار في تقديم خدمات آمنة وعادلة، دون استنزاف الموارد الحالية أو تحميل الأجيال القادمة أعباء إضافية. 

وذلك يزيد من مرونة المؤسسة و قابليتها في استيعاب الصدمات. 

وتشمل الاستدامة أبعادًا مالية واجتماعية وبيئية متكاملة، بما يضمن توازنًا بين متطلبات الحاضر وحقوق المستقبل.

ثمار التكامل و العائد الاقتصادي 

ويظهر التأثير الحقيقي عندما تتكامل الحوكمة مع الاستدامة في إطار واحد. 

السياسات التي تُصاغ وفق مبادئ الحوكمة وتُنفذ برؤية استدامية، تتحول من مجرد خطط تشغيلية إلى استثمارات تنموية في رأس المال البشري وصحة المجتمع.

 كما يسهم هذا التكامل في دعم التغطية الصحية الشاملة، وتحسين كفاءة الإنفاق، ورفع القدرة التنافسية للقطاع الصحي. 

ونستطيع أن نرى أن مصر اتخذت خطوة مهمة في هذا الصدد من خلال اتفاقية التعاون التي وقعتها الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل مع منظمة الصحة العالمية لتقييم أثر منظومة التأمين الصحي الشامل في محافظات المرحلة الأولى. 

تهدف هذه الاتفاقية إلى الاستفادة من الخبرات الدولية في قياس الأثر الإصلاحي للنظام، وتحديد نقاط القوة والتحديات، بما يدعم اتخاذ قرارات مبنية على الأدلة، و يسهم في تعزيز كفاءة الإنفاق الصحي وتحقيق العدالة في الوصول إلى الخدمات .

كما أنه على  المستوى الاقتصادي عندما تلتقي الحوكمة الرشيدة بهذا الميثاق طويل الأمد ، ينعكس هذا النهج في صورة خفض لتكاليف التشغيل، وتقليل العبء المالي للأمراض المزمنة من خلال التركيز على الوقاية، وتحسين إنتاجية القوى العاملة الصحية، وتعظيم العائد من الاستثمار في البنية التحتية والتكنولوجيا الصحية. 

وبذلك تنتقل المنظومة الصحية من إدارة الأزمات إلى إدارة الفرص.

 التحديات والحلول العملية

ورغم وضوح هذه المكاسب، لا تزال هناك تحديات تعيق التطبيق الكامل، من بينها ضعف الثقافة المؤسسية للحوكمة، ومقاومة التغيير، ونقص الكفاءات المدربة، وغياب نظم معلومات صحية متكاملة في بعض المؤسسات. وهي تحديات تتطلب إرادة سياسية واضحة، واستثمارًا في بناء القدرات، وإصلاحًا تشريعيًا وتنظيميًا متدرجًا. 

ولمواجهة هذه التحديات، تبرز مجموعة من الحلول العملية التي يمكن أن تُحدث فارقًا حقيقيًا، من أبرزها:

١ـ  تبني إطار وطني موحد لحوكمة القطاع الصحي. يحدد بوضوح الأدوار والمسؤوليات وآليات المساءلة. ٢ـ ربط التمويل الصحي بمؤشرات أداء قابلة للقياس تعكس الجودة والكفاءة والعدالة.

٣ـ الاستثمار في تدريب القيادات والعاملين على مفاهيم الحوكمة والاستدامة و اقتصاديات الصحة.

 ٤ـ التوسع في التحول الرقمي وبناء نظم معلومات صحية متكاملة داعمة للقرار.

٥ـ  إلى جانب تعزيز دور الوقاية والصحة العامة باعتبارها استثمارًا اقتصاديًا طويل الأجل لا مجرد تكلفة خدمية.

الخاتمة 

إن تعزيز الحوكمة والاستدامة في القطاع الصحي لم يعد خيارًا، بل ضرورة لضمان بقاء الأنظمة الصحية قادرة على أداء دورها بكفاءة وعدالة. فالصحة ليست بند إنفاق في الموازنة العامة فقط، بل هي استثمار استراتيجي في الإنسان، وفي استقرار المجتمع، وفي مستقبل الاقتصاد الوطني.

بوابة الأهرام أعلن هنا
بوابة الأهرام أعلن هنا