الكاتبة سرية هاني بكار تفتح في كتابها ملفًا إنسانيًا شديد الحساسية.. وتمنح المسكوت عنهم مساحة للحديث
ماذا لو كان الطفل الذي يبتسم أمامك يخفي خلف ابتسامته حكاية لا يستطيع روايتها؟ وماذا لو تحول المكان الذي يفترض أن يكون ملاذه الأول والأكثر أمانًا إلى مصدر للخوف والألم؟
من هذه الأسئلة المؤلمة تنطلق الكاتبة سرية هاني بكار في كتابها «جراح صامتة»، الصادر عن المعادي جروب للنشر والتوزيع، لتقترب من واحدة من أكثر القضايا الإنسانية حساسية، وهي العنف الذي قد يتعرض له الأطفال داخل محيطهم الأسري، والآثار النفسية التي يمكن أن تظل حاضرة في حياتهم حتى بعد انتهاء الموقف نفسه.
«جراح صامتة» هو وصف لحكايات قد يعيشها أطفال كثيرون دون أن يجدوا الكلمات التي تمكنهم من التعبير عنها. فهناك جراح لا تترك أثرًا على الجسد، لكنها تترك ندوبًا عميقة في النفس، وقد تغير نظرة الطفل إلى نفسه وإلى من حوله، وتؤثر في ثقته وأمانه وعلاقاته المستقبلية.
ولا يتوقف الكتاب عند مشاهد العنف الواضحة، وإنما يسلط الضوء أيضًا على صور أخرى قد تبدو للبعض أقل خطورة، مثل الإهانة المستمرة، والتقليل من شأن الطفل، والإهمال، والقسوة في التعامل، والخوف الدائم، وغيرها من الممارسات التي قد تُمارس تحت غطاء التربية أو التأديب.
وهنا يطرح الكتاب سؤالًا بالغ الأهمية:
متى تتحول التربية من وسيلة لبناء شخصية الطفل إلى سبب في كسرها؟
فالتربية لا تعني أن يعيش الطفل في خوف دائم من العقاب، ولا أن يشعر بأنه غير جدير بالحب كلما أخطأ، وإنما يفترض أن تكون عملية تقوم على الفهم والاحتواء والتوجيه، مع الحفاظ على كرامة الطفل وأمانه النفسي.
ومن خلال هذا الطرح، تحاول الكاتبة سرية هاني بكار ألا تكتفي بوصف الألم، وإنما تقترب من أسبابه ودوافعه، وتفتح الباب أمام التفكير في كيفية التعامل مع هذه الظاهرة والحد من آثارها.
طفل صامت.. وألم لا يعرف كيف يشرحه
ربما تكمن إحدى أصعب جوانب القضية في أن الطفل لا يمتلك دائمًا القدرة على قول ما يحدث له.
قد يخاف من الحديث، أو يشعر بالذنب، أو يعتقد أن ما يتعرض له أمر طبيعي، أو يخشى أن يؤدي الكلام إلى نتائج أكثر قسوة. ولذلك قد يستمر في حياته بصورة تبدو عادية، بينما يخوض في داخله معركة لا يعرف المحيطون به شيئًا عنها.
ومن هنا تأتي أهمية الكتاب في منح مساحة لهذه المشاعر التي غالبًا ما تبقى خلف الأبواب المغلقة، والتذكير بأن بعض التصرفات التي يراها الكبار بسيطة قد تكون بالنسبة إلى طفل صغير تجربة مؤلمة تظل ذاكرتها معه لسنوات.
من «جراح صامتة» إلى فرصة للشفاء
ورغم أن الكتاب يتناول جانبًا مؤلمًا من عالم الطفولة، فإنه لا ينظر إلى الألم باعتباره نهاية الطريق.
فالاستماع إلى الطفل، ومنحه الشعور بالأمان، وفهم مشاعره، والتعامل معه بوعي ورحمة، كلها خطوات يمكن أن تساعد في استعادة الثقة وترميم الكثير مما أفسدته التجارب القاسية.
وهنا تتحول الكتابة من مجرد وسيلة للحكي إلى مساحة للوعي؛ فإثارة القضية وفتح النقاش حولها قد يكونان بداية لاكتشاف الألم قبل أن يكبر، ومنح الطفل فرصة لأن يجد من يسمعه ويفهمه ويحميه.
سرية هاني بكار.. من دراسة الكيمياء إلى عالم الكتابة
وراء «جراح صامتة» تقف الكاتبة سرية هاني بكار، المولودة في محافظة المنوفية في 17 أغسطس 1985، والحاصلة على بكالوريوس العلوم، تخصص الكيمياء.
ورغم أن دراستها الأكاديمية جاءت في مجال العلوم، فإن شغفها الحقيقي وجد طريقه إلى عالم الكتابة، حيث حرصت على تطوير موهبتها من خلال المشاركة في ورش الكتابة الإبداعية، إلى جانب حصولها على شهادات معتمدة في مجال الصحة النفسية ودورات تدريبية متعددة في مجال التربية.
هذا التنوع بين خلفيتها العلمية واهتمامها بالكتابة والقضايا الإنسانية يمنح تجربتها مساحة مختلفة، خاصة مع اهتمامها بالموضوعات المرتبطة بالإنسان والأسرة والطفولة، وسعيها إلى تقديم محتوى لا يكتفي بالسرد، وإنما يترك لدى القارئ مساحة للتفكير وإعادة النظر.
طموح يتجاوز الكتابة
لا تنظر الكاتبة سرية هاني بكار إلى الكتابة باعتبارها مجرد هواية أو وسيلة للتعبير، وإنما تسعى إلى تطوير تجربتها الأدبية وتقديم أعمال تحمل رسائل إنسانية ومجتمعية مؤثرة.
وتأتي «جراح صامتة» ضمن هذا التوجه، حيث تحاول أن تجعل من الكتابة وسيلة للاقتراب من القضايا التي قد يتجنب البعض الحديث عنها، وإعطاء صوت لمن يصعب عليهم التعبير عن آلامهم.
وربما تكون الرسالة الأهم التي يتركها الكتاب أن الاعتراف بالجراح ليس ضعفًا، وأن كسر دائرة الصمت قد يكون الخطوة الأولى نحو إنقاذ طفل ما زال ينتظر أن يسمعه أحد.
