بقلم .... م . استشارى / أحمد عبد الرحمن أحمد
وراء كل مشروع ناجح قصة طويلة من القرارات التي اتُّخذت في الوقت المناسب، والمخاطر التي جرى اكتشافها قبل أن تتحول إلى أزمات، والأخطاء التي مُنعت قبل أن تصل إلى أرض الواقع. وفي قلب هذه المنظومة يقف المهندس الاستشاري، ليس بوصفه مراقبًا ينتظر الخطأ لتسجيله، وإنما باعتباره أحد أهم الأطراف المسؤولة عن صناعة القرار الفني، وضبط مسار المشروع، والحفاظ على التوازن بين متطلبات الجودة والوقت والتكلفة، وصولًا إلى تحقيق أهداف المشروع.
فالمشروعات الهندسية لا تتعثر عادة بسبب خطأ واحد كبير ومفاجئ، وإنما تبدأ المشكلات في كثير من الأحيان بقرار تأخر، أو تعارض لم يُكتشف، أو مادة لم تُراجع بالشكل الكافي، أو فجوة بين التصميم والتنفيذ، ثم تتراكم آثار هذه التفاصيل حتى تتحول المشكلة الفنية الصغيرة إلى تأخير في البرنامج الزمني، أو تكلفة إضافية، أو إعادة للأعمال، وربما نزاع تعاقدي بين أطراف المشروع.
ومن هنا تحديدًا تبدأ القيمة الحقيقية للعمل الاستشاري؛ فكلما كان القرار صحيحًا ومبكرًا ومدروسًا، كان أكثر قدرة على حماية المشروع من التعثر.
من مراقبة المشروع إلى استباق مشكلاته
لا يمكن اختزال دور المهندس الاستشاري في مراجعة الرسومات، واعتماد المواد، واستلام الأعمال، وإصدار الملاحظات. فهذه جميعًا أدوات يمارس من خلالها دوره، لكنها ليست الهدف النهائي.
فالهدف الحقيقي هو أن يصل المشروع إلى نهايته آمنًا، مطابقًا للمتطلبات الفنية والتعاقدية، قابلًا للتشغيل والصيانة، ومحققًا أفضل قيمة ممكنة للمالك.
ولهذا، فإن قوة الاستشاري لا تُقاس بعدد الملاحظات التي أصدرها أو الأعمال التي رفضها، بل بقدرته على منع الأخطاء قبل وقوعها.
فاكتشاف تعارض في الرسومات قبل التنفيذ أفضل من اكتشافه بعد تركيب المعدات، ورفض مادة غير مطابقة قبل توريدها أفضل من إزالتها بعد تركيبها، وحسم مشكلة تصميمية مبكرًا أفضل من تركها حتى تتحول إلى تأخير أو تكلفة إضافية أو مطالبة مالية.
وهنا يظهر الفارق بين استشاري يدير الخطأ بعد وقوعه، واستشاري يدير المشروع بما يقلل فرص وقوع الخطأ من الأساس.
ولكي يتحقق ذلك، يجب أن يبدأ دور الاستشاري بفهم الصورة الكاملة للمشروع؛ فالتصميمات والمواصفات وجداول الكميات والعقود والبرنامج الزمني ومتطلبات المالك ليست جزرًا منفصلة، وإنما أجزاء مترابطة من منظومة واحدة، وأي قرار في أحدها قد يمتد أثره إلى بقية عناصر المشروع.
ومن هنا يصبح التفكير الاستباقي وإدارة المخاطر ضرورة وليس رفاهية.
فالاستشاري الناجح لا يسأل فقط: ما المشكلة الموجودة الآن؟ بل يسأل أيضًا: ما الذي يمكن أن يحدث لاحقًا إذا استمر التنفيذ بهذه الصورة؟ وكيف يمكن تجنب المشكلة قبل وقوعها؟
وهذا التفكير الاستباقي يقودنا مباشرة إلى أحد أهم عناصر صناعة القرار في المشروعات: التوقيت.
القرار الصحيح... في الوقت الصحيح
اكتشاف المشكلة مبكرًا لا يكفي إذا تأخر القرار بشأنها؛ فالقرار الهندسي لا تُقاس جودته بصحته الفنية فقط، وإنما بصحته وتوقيته معًا.
قد يكون الرد على استفسار فني صحيحًا تمامًا، لكنه إذا صدر بعد توقف الأعمال المرتبطة به لأسابيع، فقد فقد جزءًا كبيرًا من قيمته. وقد تكون المادة المقترحة مطابقة للمواصفات، لكن تأخر اعتمادها إلى ما بعد الموعد المطلوب للشراء والتوريد قد ينعكس على البرنامج الزمني بأكمله.
ولهذا، فإن الوقت ليس مسؤولية المقاول وحده، بل هو أحد موارد المشروع التي يتحمل كل طرف مسؤولية الجزء الواقع تحت سيطرته منها.
ولا يعني ذلك التسرع في اتخاذ القرارات، وإنما يعني ترتيب الأولويات وإدراك أثر كل قرار على المشروع؛ فهناك موضوع يمكن أن ينتظر مزيدًا من الدراسة، وهناك قرار آخر قد يصبح تأخيره سببًا في تعطيل سلسلة كاملة من الأعمال.
وهنا تظهر إحدى أهم مهارات المهندس الاستشاري: أن يعرف متى يحتاج القرار إلى مزيد من الدراسة، ومتى تصبح سرعة اتخاذه جزءًا من الحل.
غير أن صناعة القرار لا تتم بمعزل عن بقية أطراف المشروع؛ فالقرار مهما كان صحيحًا يحتاج إلى بيئة مهنية تسمح بتنفيذه، وهو ما يجعل العلاقة بين الاستشاري والمقاول عنصرًا مؤثرًا بصورة مباشرة في نجاح المشروع.
علاقة مهنية... لا خصومة ولا تداخل في المسؤوليات
من الأخطاء التي تستنزف بعض المشروعات أن تتحول العلاقة بين الاستشاري والمقاول إلى مواجهة دائمة، وكأن نجاح أحد الطرفين يتطلب إثبات فشل الآخر.
والحقيقة أن الاستشاري ليس خصمًا للمقاول، كما أنه في الوقت نفسه ليس جزءًا من جهازه التنفيذي.
العلاقة الصحيحة هي تعاون مهني منضبط، تحكمه حدود واضحة للمسؤوليات، والالتزامات التعاقدية، والأصول الهندسية، ومصلحة المشروع وحقوق المالك.
فعندما يتعلق الأمر بالسلامة أو الجودة أو المطابقة، يجب أن يكون موقف الاستشاري واضحًا وحاسمًا. وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول الإجراءات والمراسلات إلى غاية في حد ذاتها أو إلى عائق أمام تقدم المشروع.
فالهدف الذي يجب أن يجمع جميع الأطراف هو تنفيذ العمل بصورة صحيحة من المرة الأولى.
وكل ساعة تُستثمر في الدراسة والتنسيق قبل التنفيذ قد توفر أيامًا من الإزالة وإعادة الأعمال بعده.
وتزداد أهمية هذا التنسيق كلما ازدادت المشروعات حجمًا وتعقيدًا؛ لأن كثيرًا من المشكلات لا ينشأ داخل تخصص واحد، وإنما عند نقاط الالتقاء بين التخصصات المختلفة.
المشروع منظومة واحدة... وليس مجموعة تخصصات منفصلة
تضم المنشآت الحديثة العديد من الأنظمة المعمارية والإنشائية والكهربائية والميكانيكية وأنظمة مكافحة الحريق والتحكم والاتصالات والأمن وإدارة المباني. وقد يكون كل تخصص صحيحًا عند النظر إليه منفردًا، ثم تظهر المشكلة عندما تجتمع هذه الأنظمة جميعًا في الموقع.
فمسار أحد الأنظمة قد يتعارض مع آخر، ومعدة قد يتم تركيبها في مكان لا يسمح بصيانته
