إعلان الرئيسية

رئيس مجلس الإدارة
د.محمد مصطفي كمال
رئيس التحرير
ابراهيم عبدالله
الصفحة الرئيسية الاستشاري وصناعة القرار... ودوره في نجاح المشروع بين تحديات التنفيذ ومسؤولية القرار... كيف يسهم المهندس الاستشاري في نجاح المشروع وتحقيق أهدافه؟

الاستشاري وصناعة القرار... ودوره في نجاح المشروع بين تحديات التنفيذ ومسؤولية القرار... كيف يسهم المهندس الاستشاري في نجاح المشروع وتحقيق أهدافه؟

حجم الخط


 

بقلم .... م . استشارى / أحمد عبد الرحمن أحمد

وراء كل مشروع ناجح قصة طويلة من القرارات التي اتُّخذت في الوقت المناسب، والمخاطر التي جرى اكتشافها قبل أن تتحول إلى أزمات، والأخطاء التي مُنعت قبل أن تصل إلى أرض الواقع. وفي قلب هذه المنظومة يقف المهندس الاستشاري، ليس بوصفه مراقبًا ينتظر الخطأ لتسجيله، وإنما باعتباره أحد أهم الأطراف المسؤولة عن صناعة القرار الفني، وضبط مسار المشروع، والحفاظ على التوازن بين متطلبات الجودة والوقت والتكلفة، وصولًا إلى تحقيق أهداف المشروع.


فالمشروعات الهندسية لا تتعثر عادة بسبب خطأ واحد كبير ومفاجئ، وإنما تبدأ المشكلات في كثير من الأحيان بقرار تأخر، أو تعارض لم يُكتشف، أو مادة لم تُراجع بالشكل الكافي، أو فجوة بين التصميم والتنفيذ، ثم تتراكم آثار هذه التفاصيل حتى تتحول المشكلة الفنية الصغيرة إلى تأخير في البرنامج الزمني، أو تكلفة إضافية، أو إعادة للأعمال، وربما نزاع تعاقدي بين أطراف المشروع.


ومن هنا تحديدًا تبدأ القيمة الحقيقية للعمل الاستشاري؛ فكلما كان القرار صحيحًا ومبكرًا ومدروسًا، كان أكثر قدرة على حماية المشروع من التعثر.


من مراقبة المشروع إلى استباق مشكلاته


لا يمكن اختزال دور المهندس الاستشاري في مراجعة الرسومات، واعتماد المواد، واستلام الأعمال، وإصدار الملاحظات. فهذه جميعًا أدوات يمارس من خلالها دوره، لكنها ليست الهدف النهائي.


فالهدف الحقيقي هو أن يصل المشروع إلى نهايته آمنًا، مطابقًا للمتطلبات الفنية والتعاقدية، قابلًا للتشغيل والصيانة، ومحققًا أفضل قيمة ممكنة للمالك.


ولهذا، فإن قوة الاستشاري لا تُقاس بعدد الملاحظات التي أصدرها أو الأعمال التي رفضها، بل بقدرته على منع الأخطاء قبل وقوعها.


فاكتشاف تعارض في الرسومات قبل التنفيذ أفضل من اكتشافه بعد تركيب المعدات، ورفض مادة غير مطابقة قبل توريدها أفضل من إزالتها بعد تركيبها، وحسم مشكلة تصميمية مبكرًا أفضل من تركها حتى تتحول إلى تأخير أو تكلفة إضافية أو مطالبة مالية.


وهنا يظهر الفارق بين استشاري يدير الخطأ بعد وقوعه، واستشاري يدير المشروع بما يقلل فرص وقوع الخطأ من الأساس.


ولكي يتحقق ذلك، يجب أن يبدأ دور الاستشاري بفهم الصورة الكاملة للمشروع؛ فالتصميمات والمواصفات وجداول الكميات والعقود والبرنامج الزمني ومتطلبات المالك ليست جزرًا منفصلة، وإنما أجزاء مترابطة من منظومة واحدة، وأي قرار في أحدها قد يمتد أثره إلى بقية عناصر المشروع.


ومن هنا يصبح التفكير الاستباقي وإدارة المخاطر ضرورة وليس رفاهية.


فالاستشاري الناجح لا يسأل فقط: ما المشكلة الموجودة الآن؟ بل يسأل أيضًا: ما الذي يمكن أن يحدث لاحقًا إذا استمر التنفيذ بهذه الصورة؟ وكيف يمكن تجنب المشكلة قبل وقوعها؟


وهذا التفكير الاستباقي يقودنا مباشرة إلى أحد أهم عناصر صناعة القرار في المشروعات: التوقيت.


القرار الصحيح... في الوقت الصحيح 


اكتشاف المشكلة مبكرًا لا يكفي إذا تأخر القرار بشأنها؛ فالقرار الهندسي لا تُقاس جودته بصحته الفنية فقط، وإنما بصحته وتوقيته معًا.


قد يكون الرد على استفسار فني صحيحًا تمامًا، لكنه إذا صدر بعد توقف الأعمال المرتبطة به لأسابيع، فقد فقد جزءًا كبيرًا من قيمته. وقد تكون المادة المقترحة مطابقة للمواصفات، لكن تأخر اعتمادها إلى ما بعد الموعد المطلوب للشراء والتوريد قد ينعكس على البرنامج الزمني بأكمله.


ولهذا، فإن الوقت ليس مسؤولية المقاول وحده، بل هو أحد موارد المشروع التي يتحمل كل طرف مسؤولية الجزء الواقع تحت سيطرته منها.


ولا يعني ذلك التسرع في اتخاذ القرارات، وإنما يعني ترتيب الأولويات وإدراك أثر كل قرار على المشروع؛ فهناك موضوع يمكن أن ينتظر مزيدًا من الدراسة، وهناك قرار آخر قد يصبح تأخيره سببًا في تعطيل سلسلة كاملة من الأعمال.


وهنا تظهر إحدى أهم مهارات المهندس الاستشاري: أن يعرف متى يحتاج القرار إلى مزيد من الدراسة، ومتى تصبح سرعة اتخاذه جزءًا من الحل.


غير أن صناعة القرار لا تتم بمعزل عن بقية أطراف المشروع؛ فالقرار مهما كان صحيحًا يحتاج إلى بيئة مهنية تسمح بتنفيذه، وهو ما يجعل العلاقة بين الاستشاري والمقاول عنصرًا مؤثرًا بصورة مباشرة في نجاح المشروع.


 

علاقة مهنية... لا خصومة ولا تداخل في المسؤوليات 


من الأخطاء التي تستنزف بعض المشروعات أن تتحول العلاقة بين الاستشاري والمقاول إلى مواجهة دائمة، وكأن نجاح أحد الطرفين يتطلب إثبات فشل الآخر.


والحقيقة أن الاستشاري ليس خصمًا للمقاول، كما أنه في الوقت نفسه ليس جزءًا من جهازه التنفيذي.


العلاقة الصحيحة هي تعاون مهني منضبط، تحكمه حدود واضحة للمسؤوليات، والالتزامات التعاقدية، والأصول الهندسية، ومصلحة المشروع وحقوق المالك.


فعندما يتعلق الأمر بالسلامة أو الجودة أو المطابقة، يجب أن يكون موقف الاستشاري واضحًا وحاسمًا. وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول الإجراءات والمراسلات إلى غاية في حد ذاتها أو إلى عائق أمام تقدم المشروع.


فالهدف الذي يجب أن يجمع جميع الأطراف هو تنفيذ العمل بصورة صحيحة من المرة الأولى.


وكل ساعة تُستثمر في الدراسة والتنسيق قبل التنفيذ قد توفر أيامًا من الإزالة وإعادة الأعمال بعده.


وتزداد أهمية هذا التنسيق كلما ازدادت المشروعات حجمًا وتعقيدًا؛ لأن كثيرًا من المشكلات لا ينشأ داخل تخصص واحد، وإنما عند نقاط الالتقاء بين التخصصات المختلفة.


المشروع منظومة واحدة... وليس مجموعة تخصصات منفصلة


تضم المنشآت الحديثة العديد من الأنظمة المعمارية والإنشائية والكهربائية والميكانيكية وأنظمة مكافحة الحريق والتحكم والاتصالات والأمن وإدارة المباني. وقد يكون كل تخصص صحيحًا عند النظر إليه منفردًا، ثم تظهر المشكلة عندما تجتمع هذه الأنظمة جميعًا في الموقع.


فمسار أحد الأنظمة قد يتعارض مع آخر، ومعدة قد يتم تركيبها في مكان لا يسمح بصيانته مستقبلًا، وفتحة مطلوبة للخدمات قد تتعارض مع عنصر إنشائي، كما قد يعتمد أداء نظام كامل على إشارة أو أمر صادر من نظام آخر..


وهنا يجب أن يتجاوز سؤال الاستشاري:


هل هذا العمل مطابق للمواصفات؟


إلى مجموعة من الأسئلة الأوسع:


هل يمكن تنفيذه عمليًا؟ وهل يتكامل مع بقية الأنظمة؟ وهل يمكن الوصول إليه وتشغيله وصيانته بأمان وكفاءة؟


وهذه النظرة الشاملة ضرورية؛ لأن المشروع بالنسبة إلى فريق التصميم والتنفيذ قد يستمر عدة سنوات، بينما المنشأة نفسها يُفترض أن تعمل لعقود.


وبذلك تمتد مسؤولية القرار الاستشاري إلى ما بعد انتهاء التنفيذ، لتشمل مستقبل المنشأة وتكلفة تشغيلها وصيانتها.


 

من تكلفة التنفيذ إلى قيمة الاستثمار


ليس كل حل أقل سعرًا هو الحل الأكثر اقتصادية، كما أن الحل الأعلى تكلفة ليس بالضرورة هو الأفضل.


فقد يكون أحد الحلول أقل تكلفة عند الشراء، لكنه يتحول خلال سنوات التشغيل إلى عبء بسبب ارتفاع استهلاك الطاقة، أو كثرة الأعطال، أو صعوبة الصيانة، أو عدم توافر قطع الغيار.


ومن هنا يأتي دور الاستشاري في تحقيق القيمة الهندسية الحقيقية، من خلال الوصول إلى التوازن المناسب بين تكلفة الإنشاء، وكفاءة التشغيل، والاعتمادية، والعمر الافتراضي، وسهولة الصيانة، وإمكانية التطوير والتوسع مستقبلًا.


وهكذا تتحول حماية أموال المالك من مجرد خفض تكلفة التوريد إلى مفهوم أكثر شمولًا، وهو حماية قيمة الاستثمار طوال العمر التشغيلي للمنشأة.


فالقرار الاستشاري الجيد لا ينظر فقط إلى ما سيتم تركيبه اليوم، وإنما يأخذ في اعتباره من سيقوم بتشغيله وصيانته بعد سنوات.


وهذه النظرة المستقبلية تقود المشروع إلى المرحلة التي تختبر حقيقة جميع القرارات السابقة: مرحلة الاختبارات والتشغيل.

 

الاختبارات... حين تنتقل الهندسة من الورق إلى الواقع 


قد تكون المعدات مركبة في أماكنها، والتشطيبات مكتملة، ويبدو المشروع ظاهريًا جاهزًا للتسليم، لكن المظهر وحده لا يكفي للحكم على نجاح المنشأة.


فالاختبارات والتشغيل هي الامتحان الحقيقي للمشروع.


ولا يكفي أن يعمل كل جهاز منفردًا؛ لأن المنشآت الحديثة تعمل باعتبارها منظومة واحدة متكاملة.


وتتضح أهمية ذلك بصورة أكبر في المستشفيات والمطارات والبنوك ومراكز البيانات والمصانع والمنشآت الحيوية، حيث تتداخل أنظمة الكهرباء والحريق والتهوية والتحكم والأمن والاتصالات، وقد يؤدي خلل بسيط في العلاقة بين نظامين إلى فشل سيناريو تشغيلي كامل عند الحاجة إليه.


ولذلك، فإن اكتمال التركيبات لا يعني اكتمال المشروع، ونجاح الاختبارات الفردية لا يعني بالضرورة جاهزية المنشأة للتشغيل.


ومن هنا يجب ألا يكون التسليم حدثًا مفاجئًا في نهاية المشروع، وإنما نتيجة طبيعية لمسار طويل من الفحص والاختبار والتوثيق والتحقق.


 

 الاستلام لا يبدأ يوم الاستلام


من الأخطاء المتكررة أن تبدأ عملية جمع مستندات المشروع النهائية بعد انتهاء الأعمال، أو قبل موعد التسليم بفترة قصيرة.


والصحيح أن الاستلام يبدأ عمليًا منذ المراحل الأولى للمشروع.


فالرسومات النهائية المطابقة لما تم تنفيذه، وشهادات الاختبارات، وأدلة التشغيل والصيانة، والضمانات، وسجلات المعدات، وتدريب فرق التشغيل وغيرها من الوثائق، يجب إعدادها ومراجعتها تدريجيًا طوال فترة التنفيذ.


لأن المالك لا يتسلم في النهاية مبنى ومعدات وأنظمة فقط، وإنما يتسلم منشأة يجب أن يمتلك المعرفة والوثائق اللازمة لتشغيلها وإدارتها والمحافظة عليها.


وهنا تكتمل دائرة صناعة القرار؛ فالقرارات التي بدأت على الرسومات يجب أن تنتهي بمنشأة تعمل بالفعل وتحقق الغرض الذي أُنشئت من أجله.


 النجاح الحقيقي للمشروع


نجاح المشروع لا يعني مجرد الوصول إلى تاريخ التسليم، ولا يقتصر على الانتهاء من جميع بنود الأعمال أو مغادرة المقاول للموقع.


النجاح الحقيقي هو أن يتسلم المالك منشأة آمنة، مطابقة، مختبرة، موثقة، قابلة للتشغيل والصيانة، وتحقق الغرض الذي أُنشئت من أجله بأفضل قيمة ممكنة.


وللوصول إلى هذه النتيجة، يجب أن يحافظ المهندس الاستشاري طوال رحلة المشروع على مجموعة دقيقة من التوازنات: أن يحافظ على الجودة دون أن يغفل الوقت، وأن يراقب التكلفة دون التضحية بالاعتمادية، وأن يتعاون مع المقاول دون أن يفقد استقلال قراره، وأن يتمسك بالمواصفات دون أن تتحول الإجراءات إلى عائق، وأن ينظر إلى احتياجات التنفيذ اليوم بعين من سيتولى تشغيل المنشأة غدًا.


وهنا تتغير الطريقة التي يمكن أن نقيس بها نجاح العمل الاستشاري.


فبدلًا من أن نسأل: كم مخالفة اكتشف الاستشاري؟ وكم ملاحظة أصدر؟ وكم عملًا رفض؟


ربما تكون هناك أسئلة أكثر دلالة:


كم مشكلة منعها قبل أن تحدث؟ وكم تعارضًا اكتشفه قبل التنفيذ؟ وكم قرارًا اتخذه في توقيته الصحيح؟ وكم تكلفة وفرها دون الإخلال بالجودة؟ وكم خطرًا أبعده عن المشروع؟


إن الهندسة الاستشارية في جوهرها ليست مجرد مراجعة لما حدث، وإنما القدرة على استشراف ما يمكن أن يحدث، وتحويل الخبرة الهندسية إلى قرار يحمي المشروع ويضيف إليه قيمة.


وكلما انتقل العمل الاستشاري من ثقافة اكتشاف الخطأ إلى ثقافة منع الخطأ، ومن إدارة المستندات إلى إدارة المخاطر، ومن النظر إلى كل تخصص منفردًا إلى رؤية المشروع كمنظومة متكاملة، ارتفعت القيمة التي يضيفها الاستشاري إلى المشروع.


 وفي النهاية

 ربما تكون أفضل شهادة على نجاح المهندس الاستشاري ليست كثرة التقارير والمراسلات التي تركها في أرشيف المشروع، وإنما جودة المشروع الذي تركه على أرض الواقع.


فالاستشاري المتميز لا يكتفي بتسجيل انحراف المشروع عن مساره، وإنما يسهم بخبرته وقراره في منع هذا الانحراف من الأساس، ويظل محافظًا على التوازن بين الجودة والوقت والتكلفة والسلامة وقابلية التشغيل والاستدامة، حتى يتحول التصميم من فكرة على الورق إلى منشأة ناجحة تحقق أهداف المالك والمشروع.



وهنا تكمن القيمة الحقيقية للاستشاري: ليس في كثرة القرارات التي يتخذها، وإنما في جودة القرار، وتوقيته، وأثره في نجاح المشروع. *

بوابة الأهرام أعلن هنا
بوابة الأهرام أعلن هنا