إعلان الرئيسية

رئيس مجلس الإدارة
د.محمد مصطفي كمال
رئيس التحرير
ابراهيم عبدالله


في أحد فصولي كلَّفتُ طلابي بتقديم عروض عن ثقافات بلدانهم باللغة العربية. وقف أمامي طالبٌ أجنبي يشرح بدقَّة كيف تُحمَّص حبَّات القهوة العربية وكيف تُضاف الهيل، وكيف يُصبُّ الفنجان بحركة معيَّنة. كان شرحه دقيقًا ومرتَّبًا — وشعرتُ أنَّ شيئًا ما ينقصه.

سألتُه: «وماذا تقول حين تُقدِّم القهوة لضيفك؟»

توقَّف. فتح هاتفه. سأل الذكاء الاصطناعي.

جاءه الجواب: «تفضَّل، هذه قهوة عربية أصيلة».

نظرتُ إليه وقلتُ: «صحيحٌ لغةً — لكنَّها ليست ثقافةً».


القهوة العربية في قطر ليست مشروبًا فقط — هي طقسٌ اجتماعي كامل يحمل أدبًا دقيقًا لا يُعلَّم في كتاب.

حين يُقدِّم المضيف الفنجان يمدُّه من اليمين ويقول للضيف: «سمِّ» — أي قل بسم الله. والضيف يأخذه باليمين ويردُّ بثقة وألفة: «سمِّ عدوَّك» — عبارةٌ تجمع الدعاء والمزاح والحميمية في آنٍ واحد، لا تجد لها ترجمةً حقيقية في أي لغة أخرى. وحين يكتفي الضيف لا يقول شيئًا — يُحرِّك الفنجان الصغير مرَّتين بيده اليمنى فيفهم المضيف على الفور، دون أن تُكسَر لحظة الحديث بكلمة واحدة.

هذا التواصل الصامت المشحون بالأدب والمعنى — لا تجده في قاعدة بيانات ولا تُعلِّمه خوارزمية.


هذا ليس هجومًا على الذكاء الاصطناعي. فأنا مَن تُدخله فصلها وتُعلِّم طلابها كيف يستخدمونه أداةً لا عُكَّازًا. لكنَّ ما شهدتُه في ذلك الفصل يكشف حقيقةً جوهرية يتجاهلها كثيرون في النقاش الدائر اليوم حول مستقبل التعليم:

اللغة ليست كلمات — هي سياق. والسياق لا يُورَث إلَّا من إنسان لإنسان.

تقول الأبحاث إنَّ 70% من التواصل البشري غير لفظي — إيماءات ونبرة وصمت وتوقيت. وتعليم اللغة الذي يقتصر على المفردات والقواعد يُنتج متحدِّثًا صحيح اللسان مكسور التواصل. الطالب الذي يقول الجملة الصحيحة في اللحظة الخاطئة، أو بالنبرة الخاطئة، أو دون أن يفهم ما وراءها من روح — لا يتواصل. يُخطئ بأدب.

وهذا بالضبط ما لا يفهمه الذكاء الاصطناعي بعد.


في فصلي الذي يجمع طلابًا من أكثر من عشرين جنسية — من كوريا وإندونيسيا والبرازيل وغانا وغيرها — حين أشرح أنَّ «سمِّ عدوَّك» ليست مجرَّد ردَّ مجاملة بل هي دعاءٌ حقيقي يحمل تاريخًا من الضيافة العربية الأصيلة، أرى في عيون طلابي شيئًا لا تُنتجه الشاشات. أرى فضولًا حقيقيًّا نحو روح الإنسان العربي لا نحو قواعده.

وحين يسأل طالبٌ كوري: «لماذا يُحرِّك الضيف الفنجان ولا يقول اكتفيتُ؟» — تلك اللحظة من التعجُّب والاكتشاف هي ما يُعلِّق اللغة في الذاكرة إلى الأبد. لا يصنعها تطبيق ولا يُكرِّرها برنامج.


سوق تعليم اللغة العربية ينمو بمعدَّل يتجاوز 17% سنويًّا ويُقدَّر بأكثر من أربعة مليارات دولار. وتشير الإحصاءات إلى أنَّ أكثر من 25 مليون شخص يتعلَّمون العربية حول العالم اليوم. هذا يعني أنَّ الطلب على تعليم اللغة في ارتفاع غير مسبوق — لكنَّ الطلب الحقيقي ليس على اللغة وحدها. هو على البوابة التي تفتح عالمًا كاملًا من المعنى والروح والإنسان.

ولا تملك تلك البوابة خوارزمية.


في نهاية ذلك الدرس أعاد الطالب عرضه. هذه المرَّة حين انتهى من شرح القهوة مدَّ الفنجان الصغير نحو زميله باليمين وقال بابتسامة: «سمِّ».

فردَّ زميله وهو يضحك: «سمِّ عدوَّك».

ضحك الفصل كلُّه. وتعلَّم الجميع — بمن فيهم أنا — أنَّ أعمق دروس اللغة لا تأتي من شاشة.

تلك اللحظة لا تجدها في قاعدة بيانات.


د. عبير حيدر

محاضرة في اللغة العربية لغير الناطقين بها — جامعة قطر

مؤلفة كتاب «ملح الكلام» في الأمثال الشعبية العربية

بوابة الأهرام أعلن هنا
بوابة الأهرام أعلن هنا