بقلم: المستشار باهر يونان
مستشار التحكيم الدولي
الرئيس التنفيذي ومؤسس Kemet Global Group
عضو منظمة التحكيم الدولي والعلاقات الدبلوماسية
عضو المنظمة المصرية لحقوق الإنسان
مدير العلاقات العامة بجريدة صوت الناس
لم تعد الهجرة غير الشرعية مجرد محاولة لعبور الحدود بحثًا عن فرصة أفضل، بل أصبحت ساحة تستغل فيها عصابات الاحتيال أحلام الشباب، وتحولها إلى تجارة مربحة قائمة على الخداع والتضليل. فبين صفحات التواصل الاجتماعي والإعلانات الممولة والوعود البراقة، يقع كثير من الباحثين عن العمل ضحية لكيانات وهمية تدّعي قدرتها على توفير فرص سفر أو وظائف خارج البلاد، بينما يكون هدفها الحقيقي الاستيلاء على أموال المواطنين.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في رحلة السفر وحدها، بل يبدأ منذ اللحظة التي يصدق فيها الشاب وعودًا لا تستند إلى أي أساس قانوني. فالمحتالون اليوم يعتمدون على أساليب أكثر احترافية، فيستخدمون أسماء شركات معروفة، وينتحلون صفات مؤسسات مرخصة، ويعرضون عقودًا مزيفة وتأشيرات غير حقيقية لإضفاء المصداقية على عمليات النصب.
ومن خلال عملي في مجالات التحكيم الدولي والاستشارات والتوظيف الدولي، تابعت العديد من الوقائع التي انتهت بخسائر مالية ونفسية كبيرة لضحايا كانوا يبحثون فقط عن فرصة عمل شريفة. لذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على تطبيق القانون، وإنما تبدأ بنشر الوعي وترسيخ ثقافة التحقق قبل اتخاذ أي خطوة.
ويؤكد المستشار باهر يونان أن بناء الوعي المجتمعي يمثل خط الدفاع الأول ضد الهجرة غير الشرعية والكيانات الوهمية، فكل مواطن يدرك حقوقه القانونية ويحرص على التعامل مع الجهات الرسمية، يساهم في حماية نفسه وأسرته، ويحد من انتشار هذه الجرائم.
كما أن التفرقة بين الشركات المرخصة والكيانات غير القانونية أصبحت ضرورة ملحة، فالشركات التي تعمل وفق القانون تخضع لإجراءات رقابية واضحة، بينما تعتمد الكيانات الوهمية على الغموض، والوعود غير الواقعية، وطلب مبالغ مالية دون ضمانات قانونية.
ويلعب الإعلام دورًا محوريًا في مواجهة هذه الظاهرة، من خلال كشف أساليب النصب، وتوعية المواطنين بطرق التحقق من الجهات التي تعلن عن فرص العمل والسفر، إلى جانب دور المؤسسات التعليمية والدينية ومنظمات المجتمع المدني في نشر ثقافة احترام القانون وتعزيز الثقة في المسارات القانونية.
ورغم الجهود التي تبذلها الدولة المصرية في مكافحة الهجرة غير الشرعية، فإن تحقيق نتائج أكثر فاعلية يتطلب تعاونًا مجتمعيًا واسعًا، يقوم على الإبلاغ عن الكيانات المشبوهة، ورفض التعامل مع الوسطاء غير المرخصين، وتشجيع الشباب على البحث عن الفرص عبر القنوات الرسمية.
ويقول المستشار باهر يونان: "الشباب المصري يمتلك من الكفاءة والطموح ما يؤهله للنجاح داخل مصر وخارجها، لكنه يحتاج إلى فرص حقيقية، لا إلى أوهام تُباع تحت شعارات براقة. إن الوعي هو السلاح الأقوى في مواجهة المحتالين، وهو الضمانة الأولى لحماية الإنسان ومستقبله."
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية استمرار الحملات الرقابية على الكيانات غير المرخصة، وتشديد العقوبات على كل من يمارس أنشطة إلحاق العمالة أو التوظيف خارج الإطار القانوني، أو ينتحل صفات الشركات والمؤسسات بهدف خداع المواطنين.
كما أوجه رسالة إلى شباب مصر بضرورة التحقق من قانونية أي جهة قبل سداد أي رسوم أو توقيع أي عقد، وعدم الانسياق وراء الإعلانات التي تعد بالسفر السريع أو الوظائف المضمونة دون مستندات رسمية. فالطريق القانوني قد يحتاج إلى وقت، لكنه الطريق الأكثر أمانًا واستقرارًا.
إن بناء الإنسان الواعي هو الركيزة الأساسية لبناء المجتمع، وسيظل نشر الثقافة القانونية، وتعزيز الثقة في المؤسسات الرسمية، ومواجهة الكيانات الوهمية، من أهم وسائل حماية الشباب وصون مستقبل الوطن. فالأوطان تُبنى بالعلم والعمل والالتزام بالقانون، لا بالأوهام والوعود الكاذبة.
