بقلم: الدكتور محمد العقيلي
حين تكشف فرشاة عالم الآثار عن حافة إناء، أو وجه تمثال، أو جزء من جدار ظل مدفونًا آلاف السنين، فإن المشهد يبدو كأنه لحظة النهاية السعيدة لرحلة البحث. لكن الحقيقة العلمية مختلفة تمامًا؛ ففي لحظة ظهور الأثر تبدأ أكثر مراحل حياته حساسية وخطورة، ويبدأ سباق دقيق لحمايته من التلف أو فقدان سياقه التاريخي.
لقد ظل الأثر طوال قرون داخل بيئة شبه مستقرة تحت الأرض. وعندما يتعرض فجأة للهواء والضوء وتغير الرطوبة والحرارة، قد تبدأ الأملاح في التبلور، وتتسارع أكسدة المعادن، وتجف المواد العضوية، وتتقشر الألوان، وقد تفقد القطعة أجزاءً لا يمكن استعادتها. ولهذا فإن نجاح الاكتشاف لا يُقاس بعدد القطع التي خرجت من الرمال، بل بقدرتنا على الاحتفاظ بها وبالمعلومات التي تحملها للأجيال القادمة.
الحماية تبدأ قبل الحفر
الحفاظ على الآثار لا يبدأ داخل معمل الترميم، وإنما قبل أول ضربة معول في موقع الحفائر. فكل مشروع أثري جاد يجب أن يضم، إلى جانب الأثريين، متخصصًا في الترميم، وخطة موضوعة مسبقًا للتوثيق والرفع والتغليف والتخزين المؤقت والنقل والتعامل مع حالات الطوارئ.
أما عند العثور على أثر بطريق المصادفة، فالتصرف الصحيح هو وقف العمل فورًا، وتأمين المكان ومنع اللمس أو التنظيف أو النقل العشوائي، وإبلاغ الجهات المختصة. وينص قانون حماية الآثار المصري على ضرورة إخطار أقرب سلطة إدارية خلال ثمانٍ وأربعين ساعة، مع المحافظة على الأثر في موضعه حتى تتسلمه السلطة المختصة.
ولا ينبغي نشر الموقع الدقيق للاكتشاف على وسائل التواصل الاجتماعي قبل تأمينه؛ لأن الإعلان المتعجل قد يعرض المكان للعبث أو السرقة أو الحفر غير المشروع.
موقع القطعة جزء من قيمتها
الأثر ليس مجرد تمثال أو إناء جميل يمكن فصله عن الأرض المحيطة به. موضع القطعة، وعمقها، واتجاهها، والطبقة التي وجدت داخلها، وعلاقتها بالعظام أو الفخار أو النقوش المحيطة بها، جميعها أجزاء من شهادتها التاريخية.
لذلك يسبق رفع القطعة توثيق شامل يتضمن الإحداثيات، والعمق، ورقم المربع والطبقة الأثرية، والاتجاه، والأبعاد، والمادة المصنوعة منها، وحالة الحفظ، مع التصوير بمقياس واضح والرسم العلمي والمسح ثلاثي الأبعاد عند الحاجة. وتحصل القطعة على رقم ميداني مؤقت يرافقها في جميع مراحل انتقالها.
إذا انفصلت القطعة عن هذه البيانات، فقد ننجح في إنقاذ جسم الأثر، لكننا نفقد جزءًا كبيرًا من قصته. فالقطعة بلا سياق أثري تشبه صفحة انتُزعت من كتاب، قد تكون جميلة، لكنها لا تروي الحكاية كاملة.
الإسعاف الأولي قبل الترميم
الهدف الأول في موقع الكشف ليس جعل القطعة نظيفة أو جميلة، بل تثبيت حالتها ومنع تدهورها. ولهذا لا يجوز غسل الأثر أو كشطه أو استخدام مواد لاصقة عليه بصورة عشوائية، لأن طبقة تراب دقيقة أو بقايا لون أو نواتج تآكل قد تحمل معلومات علمية لا تُعوض.
وتختلف طريقة التعامل باختلاف المادة. فالأخشاب والمنسوجات والجلود المشبعة بالماء لا يجوز تركها تجف سريعًا؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى انكماشها وتشققها. أما المعادن فتحتاج إلى الحماية من الرطوبة المتغيرة، وقد تحتفظ طبقات التآكل بتفاصيل السطح الأصلي. والبرديات والأسطح الملونة تتطلب إضاءة محدودة ودعامات دقيقة تمنع الانثناء أو تساقط الألوان.
وفي بعض الحالات تكون القطعة شديدة الهشاشة إلى درجة تجعل رفعها منفردة خطرًا، فيتم تدعيمها أو رفعها داخل كتلة من التربة، ثم استكمال الكشف عنها تدريجيًا داخل المعمل تحت إشراف متخصص.
رفع علمي ورحلة نقل محسوبة
بعد التأكد من استقرار القطعة، تبدأ عملية الرفع باستخدام أدوات ودعامات تتناسب مع وزنها ومادة صنعها ونقاط ضعفها. ثم توضع في عبوة مصنوعة من مواد مستقرة وغير متفاعلة، تمنع الحركة والاحتكاك والاهتزاز من دون الضغط على الأجزاء الهشة.
وتُثبت بطاقة تعريف داخل العبوة وأخرى خارجها، تتضمن رقم القطعة وموقع العثور عليها وتاريخ الكشف والجهة المسؤولة. كما يُحرر تقرير حالة قبل النقل، وتُسجل عملية التسليم والاستلام، بما يضمن وجود سلسلة عهدة واضحة منذ خروج القطعة من الموقع وحتى وصولها إلى المخزن أو المعمل.
أما القطع الكبيرة أو الحساسة، فتحتاج إلى صناديق مصممة خصيصًا، ووسائل لامتصاص الصدمات، ومراقبة الظروف البيئية أثناء الرحلة. فعملية النقل ليست إجراءً لوجستيًا بسيطًا؛ إذ يمكن لاهتزاز واحد أو تغير مفاجئ في الرطوبة أن يتسبب في تلف أثر صمد آلاف السنين.
في المعمل: الفهم قبل التدخل
عند وصول الأثر إلى معمل الترميم، لا تبدأ المعالجة مباشرة، بل يخضع أولًا للفحص والتصوير وإعداد تقرير حالة تفصيلي. وقد تُستخدم الأشعة والتصوير المجهري والتحاليل العلمية للتعرف إلى مكونات القطعة، والأصباغ، والأملاح، ونواتج التآكل، والإصلاحات القديمة.
وبناءً على نتائج الفحص توضع خطة العلاج. وقد تشمل تثبيت الألوان، أو إزالة الأملاح تدريجيًا، أو إيقاف نشاط التآكل، أو تجميع الأجزاء المنفصلة، أو تدعيم البنية الضعيفة.
ويجب أن يقوم الترميم على مبادئ أساسية: أقل تدخل ممكن، واحترام المادة الأصلية، واستخدام مواد متوافقة يمكن التعامل معها مستقبلًا قدر الإمكان، وتوثيق كل خطوة قبل العلاج وأثناءه وبعده.
فالترميم ليس إعادة صناعة الأثر أو منحه مظهرًا جديدًا، وليس محاولة لإخفاء عمره؛ بل هو تدخل علمي هدفه أن تظل القطعة مستقرة وقابلة للفهم والدراسة. والمُرمم الحقيقي لا يكتب تاريخًا من عنده، وإنما يحمي التاريخ المكتوب داخل المادة الأصلية.
التسجيل والمخازن: ذاكرة لا تقل أهمية عن العرض
بعد الفحص والتوثيق، تُقيد القطعة في السجلات الرسمية، وتحصل على رقم تسجيل دائم، مع تسجيل وصفها ومادتها وأبعادها ووزنها ومكان اكتشافها وصورها من جميع الاتجاهات.
ثم تُحفظ داخل مخزن أثري مجهز بما يلائم طبيعتها. والمخزن العلمي ليس غرفة مغلقة لتكديس القطع، بل منظومة حفظ نشطة تشمل المراقبة البيئية، والأمن، والجرد، ومكافحة الآفات،
