إعلان الرئيسية

رئيس مجلس الإدارة
د.محمد مصطفي كمال
رئيس التحرير
ابراهيم عبدالله



 بقلم/  الدكتوره هايدي مجدى


​تُعد مرحلة المراهقة واحدة من أكثر المراحل العمرية حرجاً وتقلباً في حياة الإنسان؛ فهي الجسر الفاصل بين الطفولة والبلوغ، والمحطة التي يت شكل فيها الوعي بالذات وتتغير فيها كيمياء الجسد. لكن، عندما تقترن هذه المرحلة بـ طيف التوحد (Autism)، تتضاعف التحديات، وتصبح التجربة النفسية للمراهق وأسرته رحلة استثنائية تتطلب فهماً عميقاً لرؤيته الخاصة للعالم.


​إن التغيرات النفسية والجسدية التي يمر بها المراهق التوحدي ليست مجرد "تمرد تقليدي" كما في المراهقة العادية، بل هي استجابة معقدة لتداخل النمو الجسدي مع طبيعة معالجة الدماغ للمثيرات الاجتماعية والحسية.


​الوعي بالفروق.. أولى شرارات القلق


​في مرحلة الطفولة، قد لا يدرك الطفل التوحدي تماماً أوجه الاختلاف بينه وبين أقرانه، لكن مع دخول المراهقة وزيادة الوعي الاجتماعي، يبدأ المراهق في ملاحظة الفجوة. يدرك أنه يخوض المعارك النفسية والتواصلية بمفرده، مما قد يولد لديه شعوراً بالعزلة أو انخفاضاً في تقدير الذات.

​هذا الإدراك يدفع الكثيرين منهم إلى ممارسة ما يُعرف بـ "القناع الاجتماعي" (Masking)؛ وهو بذل جهد ذهني ونفسي مضاعف لإخفاء سمات التوحد والاندماج الصوري مع الأقران. ورغم أن هذا السلوك يبدو تكيفاً ظاهرياً، إلا أنه ينتهي غالباً بإرهاق نفسي حاد يظهر على شكل انفجارات غضب أو انهيارات عاطفية بمجرد العودة إلى المنزل، حيث البيئة الآمنة.


​صراع الاستقلالية والوظائف التنفيذية


​يرغب المراهق التوحدي -كغيره من الشباب- في تحقيق الاستقلالية والتعبير عن ذاته، إلا أنه يصطدم بتحديات تتعلق بـ الوظائف التنفيذية للمخ؛ مثل التخطيط، التنبؤ، وتنظيم الوقت. هذا الصراع بين الرغبة الدفينة في الاستقلال والحاجة المستمرة للرعاية والمساعدة يخلق نوعاً من التحفز الدائم والتصادم مع المحيطين.

​يضاف إلى ذلك الحساسية الحسية المرتفعة؛ فالتغيرات الجسدية والهرمونية المصاحبة للبلوغ تجعل من الصوت، الرائحة، والتغيرات الجسدية مصدراً لإزعاج حسي متواصل، مما يرفع مستويات القلق والتوتر اليومي.


​رواد الشاشات ومفتاح التعامل الفعال


​لتحويل هذه المرحلة من فترة أزمات متعاقبة إلى فرصة للبناء والتمكين، تبرز مجموعة من قواعد التعامل النفسي والتربوي الفعال:

​التواصل المباشر والمحدد: يفضل المراهق التوحدي اللغة الواضحة المباشرة، ويصعب عليه فك رموز السخرية أو التلميحات الضمنية، لذا فإن الوضوح هو الممر الآمن لبناء الثقة.

​إعطاء مساحة للمعالجة (Processing Time): يحتاج الدماغ التوحدي لثوانٍ إضافية لمعالجة الأوامر والأسئلة؛ التمهل لـ 5-10 ثوانٍ قبل إعادة التوجيه يقلل من الارتباك والضغط.

​الدعم البصري والخيارات: يساعد الاستمرار في استخدام الجداول البصرية على تمكين المراهق من تنظيم يومه بنفسه، كما أن طرح الخيارات المحددة (مثال: "هل تفضل البدء بهذا النشاط الآن أم بعد ربع ساعة؟") يعزز لديه إحساس السيطرة والمسؤولية.

​التنظيم المشترك في لحظات الانهيار: عند حدوث نوبات الانهيار الحسي (Meltdown)، لا يعود النقاش أو العتاب بنتيجة. الاستجابة المثلى هي خفض المثيرات (الأضواء والأصوات) والتزام الهدوء التام حتى يهدأ جهازه العصبي.


​ختاماً..


​إن السلوكيات الحادة أو الانعزالية للمراهق التوحدي ليست عناداً أو رغبة في الخروج عن المألوف، بل هي رسائل غير لفظية تعبر عن إجهاد حسي أو نفسي. وإن قدرتنا على قراءة هذه الرسائل وفهم سيكولوجية هذه الفئة هي الخطوة الأولى لننتقل بهم من محاولة "التكيف الإجباري" إلى مرحلة "التقبل والتمكين".

بوابة الأهرام أعلن هنا
بوابة الأهرام أعلن هنا