إعلان الرئيسية

رئيس مجلس الإدارة
د.محمد مصطفي كمال
رئيس التحرير
ابراهيم عبدالله


 د.رانيا أنور حامد 

استشاري التنمية المستدامة وأخصائي في مجال جودة الرعاية الصحية والاعتماد.

الذكاء الاصطناعي أصبح أداة إستراتيجية وتقنية مهمة لتحليل البيانات، كما أصبح عنصرًا فاعلًا في إعادة تشكيل منظومات الجودة والاعتماد، خاصة في قطاع الرعاية الصحية، حيث تُقاس الكفاءة بالدقة والاستمرارية.


في هذا السياق، يتجاوز الذكاء الاصطناعي دوره التقليدي كأداة دعم، ليقترب من كونه شريكًا في عمليات التقييم والرقابة، من خلال قدرته على تحليل كميات ضخمة من البيانات بشكل لحظي، واكتشاف الأنماط غير المرئية، والتنبؤ بمناطق الخطر قبل حدوثها، فضلًا عن دعم اتخاذ القرار استنادًا إلى أدلة موضوعية.


◾تطوير المعايير… من النص إلى التطبيق


يثير هذا التحول تساؤلًا جوهريًا حول إمكانية إسهام الذكاء الاصطناعي في تطوير معايير الاعتماد ذاتها. تشير التجارب الحديثة إلى أن هذه الإمكانية قائمة، إذ يمكن للأنظمة الذكية رصد الفجوات بين المعايير النظرية والتطبيق الفعلي، بما يسهم في تحديثها لتصبح أكثر واقعية ومرونة. ومع ذلك، تظل المعايير النوعية، مثل ثقافة السلامة والتواصل، بحاجة إلى نماذج هجينة تجمع بين التحليل التقني والخبرة البشرية.


◾تكلفة الاعتماد… من العبء إلى الكفاءة


يمثل خفض تكلفة الاعتماد الدولي أحد أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات الصحية. وفي هذا الإطار، تشير تقارير دولية، من بينها تقارير صادرة عن OECD، إلى أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تسهم في تقليل الأعباء التشغيلية بشكل ملحوظ، من خلال أتمتة عمليات جمع وتحليل الأدلة، وتقليل الاعتماد على الزيارات الميدانية المكثفة، وتحسين كفاءة فرق الجودة.


كما يسهم في تقليل البصمة الكربونية، خاصة ضمن الانبعاثات غير المباشرة (النطاق الثاني).


تشير تجارب دولية في هيئات اعتماد صحية، مثل كندا، إلى أن استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في تحليل تقارير السلامة يمكن أن يسهم في أتمتة جزء معتبر من عمليات المراجعة، وتقليل زمن التدقيق، مع تحسين اكتشاف الأنماط الخفية للأخطاء.


◾توجيه المريض السائح… نحو جودة موثوقة


يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي إلى ما هو أبعد من المؤسسات، ليشمل متلقي الخدمة نفسه. ففي ظل تنامي ظاهرة السياحة العلاجية، يمكن للأنظمة الذكية أن تلعب دورًا محوريًا في توجيه المرضى نحو المنشآت الأعلى موثوقية، استنادًا إلى مؤشرات أداء فعلية مثل معدلات المضاعفات، وأوقات الانتظار، وجودة النتائج السريرية، بما يعزز الشفافية ويدعم اتخاذ القرار.


◾الحيادية والموضوعية… بين التقنية والحوكمة


من أبرز مزايا الذكاء الاصطناعي قدرته على تقليل التحيز البشري وتوحيد معايير التقييم، من خلال الاعتماد على بيانات موثقة وقابلة للتتبع. غير أن هذه الميزة تظل مشروطة بجودة البيانات وتصميم الخوارزميات، إذ قد يؤدي أي خلل إلى إنتاج تحيزات من نوع آخر. ومن هنا، تبرز أهمية الحوكمة الرشيدة، وتطبيق نماذج مثل "الإنسان داخل دائرة القرار" (Human-in-the-Loop)، إلى جانب المراجعة المستقلة للخوارزميات.


◾من يقيّم الذكاء الاصطناعي؟


مع تصاعد الاعتماد على هذه التقنيات، يصبح من الضروري إخضاعها هي الأخرى لأطر تقييم واضحة، مثل المواصفة الدولية ISO/IEC 42001، التي تُعنى بإدارة أنظمة الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول، مع التأكيد على قابلية التفسير والشفافية.


ومن الناحية التطبيقية، يمكن البدء بتشكيل لجان تجريبية مشتركة تضم خبراء الجودة ومهندسي البيانات، تتولى اختبار تطبيقات محددة للذكاء الاصطناعي على مؤشرات أداء مختارة، مع تقييم النتائج ونشرها بشفافية.


كما تبرز الحاجة إلى إدراج هذا التوجه ضمن الخطة التنفيذية للاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، مع تعديل القوانين المنظمة لهيئات الاعتماد لتسمح صراحة باستخدام الأنظمة الذكية مع بقاء القرار النهائي للإنسان، وإصدار دليل تنظيمي موحد من وزارة الصحة وهيئة الاعتماد، وإنشاء لجنة وطنية دائمة للأخلاقيات والرقابة. حتى لا تبقى الجهود فردية وتضيع الفرصة الريادية.


خلاصة القول 


يمثل ذلك دعوة واضحة للاستثمار الأمثل في الذكاء الاصطناعي كشريك فاعل لهيئات الاعتماد، مما يسهم في إعادة تشكيل مفهوم الرقابة الصحية في عصر البيانات،

مع العمل على تطويع التحديات المرتبطة بدمج هذه التقنيات داخل هيئات الاعتماد دون الإخلال بمبادئ العدالة والأمان.

بوابة الأهرام أعلن هنا
بوابة الأهرام أعلن هنا