بقلم: نهلة محمد علي روق
مدرب معتمد في تطوير الذات ورفع الوعي
كوتش معتمد في المساعدة الذاتية
أخصائي دعم نفسي معتمد
أخصائي إرشاد زواجي وأسري
يظن كثيرون أن الألم عدو يجب الهروب منه، وأنه علامة على الضعف أو سوء الحظ. لكن الحقيقة أن الألم قد يكون في أحيان كثيرة رسالة عميقة تحمل في طياتها فرصة للنمو والتغيير.
في كل مرة نتألم فيها، قد نشعر أن الحياة تعاقبنا. وعندما نتعرض للخذلان، نميل إلى الاعتقاد بأن الثقة بالآخرين لم تعد ممكنة. وعندما ينهار أمر كنا نتكئ عليه، نشعر وكأن الأرض قد اهتزت تحت أقدامنا. لكن ماذا لو لم يكن الألم عدوًا كما نظن؟ ماذا لو كان رسالة جاءت لتنبهنا إلى شيء مهم في داخلنا؟
التغيير الحقيقي نادرًا ما يحدث في مناطق الراحة. فنحن غالبًا لا نعيد النظر في أفكارنا ولا نراجع قناعاتنا عندما تكون الأمور مستقرة. بل إن اللحظات التي يهتز فيها الداخل هي التي تدفعنا إلى إعادة ترتيب حياتنا ومشاعرنا وأولوياتنا.
الألم في حد ذاته ليس المشكلة، وإنما المشكلة تكمن في تجاهل الرسالة التي يحملها. فقد يؤلمنا موقف لأنه لمس جرحًا قديمًا لم يلتئم بعد، أو يؤلمنا شخص لأنه كشف احتياجًا داخليًا لم نعترف به لأنفسنا، وقد يؤلمنا الفقد لأنه يختبر قدرتنا على التعلق أكثر مما يختبر قدرتنا على الحب.
ومن المهم أن ندرك الفرق بين الألم والمعاناة؛ فالألم حدث قد يقع في حياة أي إنسان، أما المعاناة فهي القصة التي نكررها في عقولنا حول ذلك الحدث. الألم لحظة صدق تكشف لنا الكثير، بينما المعاناة غالبًا ما تكون نتيجة مقاومتنا لتلك اللحظة.
عندما يتغير السؤال من: "لماذا يحدث لي هذا؟" إلى "ماذا يريد هذا أن يعلمني؟" يبدأ الألم في التحول من عدو إلى معلم. فكل تجربة مؤلمة قد تكشف حدودنا، وكل خذلان قد يوضح لنا أين كنا نتنازل عن أنفسنا، وكل انهيار قد يدفعنا إلى بناء حياتنا على أسس أكثر صدقًا ووضوحًا.
إن أصعب اللحظات في حياة الإنسان لا تأتي دائمًا لتكسره، بل قد تأتي لتكسر بعض الأوهام؛ وهم الضعف، ووهم أن قيمتنا تأتي من الخارج، أو وهم أننا لا نستطيع البدء من جديد.
فالألم لا يطرق أبوابنا عبثًا، بل يظهر أحيانًا عندما نتجاهل همسات أرواحنا واحتياجاتنا الحقيقية. لذلك فإن فهم الألم والتأمل في رسالته قد يكون خطوة مهمة نحو الوعي والنضج النفسي.
ومع مرور الوقت، قد يكتشف الإنسان أن اللحظة التي ظنها نهاية كانت في الحقيقة بداية مرحلة جديدة من الوعي، وأن أقسى ما مر به لم يكن ضده، بل كان جزءًا من رحلته نحو النضج واكتشاف ذاته.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة أن أكبر التحولات في حياة الإنسان لا تولد من الراحة، بل كثيرًا ما تنشأ من أصعب اللحظات التي يمر بها.

