بقلم :المستشار الإعلامي د/ علاء المصري
لقد شرَّف الله اللغة العربية بأن أنزل بها آخر كتبه علي خير مَن وطئت قدماه الثري ـ صلى الله عليه وسلم ، وشرَّفنا بهذه اللغة ، يقول الله ( إنا أنزلناه قرآنا عربيا) ، ويقول سبحانه وتعالى عن القرآن ( بلسان عربي مُبين ) ، ولكن ،، هل من الممكن ترجمة القرآن الكريم إلى لغاتٍ أخرى ؟
أقول : هذا مستحيل ، بل من الكارثة أن يتوهم البعض إمكانية ترجمة القرآن الكريم ، لأنه نزل باللغة العربية ، واللغة العربية قادرة على استيعاب ألفاظ لا تستطيع لغة في العالم أن تستوعبها مهما بلغت شهرتها أو سيطرتها أو انتشارها ، فاللغة العربية لغة غنية جدا ، فلو نظرنا في علم اللغويات إلى اللغة اللاتينية لوجدنا بها 700 جذر لغوي ، ولو نظرنا إلى اللغة السكسونية لوجدنا بها 1000 جذر لغوي ، ولو نظرنا إلى اللغة العِبرية لوجدنا بها 2500 جذر لغوي ، ولو نظرنا إلى اللغة الإنجليزية والفرنسية لوجدنا بكل منهما 4000 جذر لغوي ، ولكن لو نظرنا إلى اللغة العربية لوجدنا بها أكثر من 16 ألف جذر لغوي وأكثر من 12 مليون كلمة ، وهذا يفوق كل لغات العالم ، وبحسب صحيفة " ذا ناشونال " ( فإن الكلمة العربية الواحدة لها في المتوسط ثلاث معانٍ ، وسبعة طرق للنطق وإثنا عشر تفسيرًا ) .
فهاهي كلمة ( أنلْزِمُكمُوها ) التي وردت في سورة هود الآية رقم 28 ، إذا حاولنا ترجمتها للإنجليزية سنجدها
Shall we compel you to accept it
كلمة واحدة ترجمتها في سبع كلمات !
وهيا نترجم كلمة " أحد " في قوله تعالى ( قل هو الله أحد ) ، سيقول البعض بأن الأمر سهل جدا وأن ترجمة كلمة أحد للإنجليزية هي one وهذه كارثة في المعنى ، لأن كلمة one بمعني الواحد القابل للتعدد ، ولكن كلمة " أحد " هي الواحد الذي لا ثاني له !
وإذا بحثنا في ترجمة الكلمتين ( الضوء ) و ( النور ) للإنجليزية سنجد ترجمة الكلمتين light ، وفي الفرنسية سنجد ترجمة الكلمتين ( الضوء ، النور ) هي la lumiere ، وكلا الكلمتين في الألمانية licht ، وكلاهما في الإسبانية la luz ، ولكن ،،،،، للغة العربية رأي آخر !!!!
اللغة الوحيدة التي فرَّقت بين الضوء والنور هي اللغة العربية ، يقول الله في سورة يونس الآية 5 ( هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نورًا ) ، وجاء علم الفيزياء الحديث ليفرق لنا بين المصدر المباشر للضوء ، وبين المصدر غير المباشر وهو النور ، فالشمس مصدر مباشر للضوء يصحبه حرارة ، والقمر مصدر غير مباشر ، يمتص الضوء الساقط عليه من الشمس ويعكسه لنا ، لذا نجد القرآن يشبه الشمس بالمصباح ، يقول الله ( وجعل القمر فيهن نورًا وجعل الشمس سراجًا ) ، ويقول عن الشمس ( وجعلنا سراجًا وهَّاجًا )
فالشمس والمصباح كلاهما مصدر مباشر للضوء ، وهذه الصفة ليست في القمر .
يقول الله في سورة البقرة الآية 2 ( ذلك الكتاب لا ريبَ فيه ) ، ويقول أيضًا في سورة البقرة الآية 23 ( وإن كنتم في ريبٍ مما نزلنا ... ) ، ويقول في سورة يونس الآية 94 ( فإن كنتَ في شكٍ مما أنزلنا ...) ، ويقول في سورة النساء الآية 157 ( وإن الذين اختلفوا فيه لَفي شكٍ منه ) ، لو نظرنا في ترجمة معاني الآيات السابقة وتفسيرها بالإنجليزية لوجدنا أن كلمة ( شك ) وكلمة ( ريب ) معناها بالإنجليزية doubt ، ولكن ليس الشك والريب أمرًا واحدًا ، فالريب هو شكٌ يخالطه اضطراب والتباس وسوء الظن واتِّهام .
لقد سمَّى القرآن المطر بأسماءٍ عديدةٍ منها : ( الغيث ) ، وهو المطر بعد الجدب والقحط ، و( الوابل ) ، وهو المط الشديد كبير القطرة ، و( الطَلّ ) ، وهو الرذاذ من المطر ، و( الودق ) ، وهو المطر المستمر ، وفي اللغة العربية أسماء أخرى للمطر ، مثل : ( الهتَّان ) ، وهو المطر المعتدل ، و ( الحَيَا ) ، وهو ما يُحيي الأرض بالنبات ، و( الوَلِي ) ، وهو المطرٌ المتوالي الذي لا يتوقف ، و( اليعلول ) ، وهو مطر متتابع يتوقف ثم يعود ، و( الشؤبُوب ) ، وهو المطر المتدافع بشدة ، والآن : هل هناك لغة تستوعب الألفاظ ذات الفروق الدلالية كلغتنا ؟! فلو بحثنا في كتب تفسير القرآن بالإنجليزية لوجدنا معنى كلمة وابل هو heavy rain falls وهذا معناه تساقط الأمطار الغزيرة ، وبعض الكتب تكتب downpour وهذا معناه هطول الأمطار ، ولو بحثنا عن ترجمة ( الودق ) سنجده rain drops وهذا معناه ( قطرات المطر ) ، نستنتج من هذا كله أننا نترجم المعنى ، ولكن من المستحيل أن نتطرق لترجمة اللفظ في ذاته ، فلو كان الأمر هيِّنًا فقولوا لي عن الفرق بين الجلوس والقعود ، فكثير منا يخطئ ويقول للواقف ( اِجلسْ ) ، وهذا خطأ ، والصحيح أن يقول له ( اُقعد ) ، لأن القعود يكون من الأعلى إلى الأسفل ، والجلوس من الأسفل إلى الأعلى ، فالواقف يقعد والمضطجعُ يجلس ، وهذا كان واضحً جليًّا في قوله تعالى ( الذين يذكرون الله قياما وقعودًا ) ولم يقل ( قيامًا وجلوسًا ) ، وفي حديث الرسول ( وكانَ متَّكِئًا فجلس ) ، كما أن القعود أيضًا يدلُّ علي مدةً أطول من الجلوس ، فمَن له لغةٌ تضاهي لغتي ؟!
وأخبروني عن الخوف والخشية والرهبة والوَجَل والرَّوْعِ والهَلَع ، وكلٌّ منها له معنى مختلف عن الآخر دلالِيًّا ، فالفرق ـ مثلًا ـ بين الخوف والخشية أن الخوف يدلُّ على ضعف الخائف ، والخشية تدلُّ على عظمة المَخشِيِّ منه ، فقول الله ( يخشون ربهم ) دلالة على عظمة الله وهو المخشِيِّ منه ، وقوله ( يخافون ربَّهم ) دلالةٌ على ضعفهم أمام ربِّهم ـ جل وعلا ، وكقوله لموسى ـ عليه السلام ( أقبِلْ ولا تخف )
وكذلك الفرق بين جاء وحضر وأقبَلَ وأتى وقَدِمَ ، وكلها بالإنجليزية come ، ولكن كلٌّ منها تحمل معنى دلاليًّا مخالفًا للآخَر، وغيرها مما لا يُعدُّ ولا يُحصَى مما يبرهن على عظمة لغتنا التي لم ولا ولن تضاهيها لغة في العالم ، فعندما أقول للطالب أن معنى ( جاء ) هو ( أتى ) ، ومعنى ( يخشى ) هو ( يخاف ) ، ومعنى ( خلف ) هو ( وراء ) ، ومعنى ( فَعَلَ ) هو ( عَمِلَ ) ، فأنا لست مُنصِفًا بالدرجة الكافية أو المرجوَّة . فما نفعله هذا هو تقريب لا تحقيق على الوجه الأكمل .
فما لا يعلمه الكثير أن حيوان الأسد له أكثر من 350 اسم في اللغة العربية ، وكل اسم منها يحمل صفةً عن الأسد مختلفة عن الاسم الآخَر .
ومِمَّا لا ينتبه إليه الكثير ـ وهذه مسألة خلافية بين علماء اللغة ـ أن الترادفات في اللغة العربية والقرآن قليلة جدا ، حتى قال بعضهم بأنه لا يوجد مترادفان في القرآن وأن هذا هو أصل الإعجاز ، وأنه لا لفظ يحِلُّ محلَّ لفظ ، فكل لفظة تحمل خصوصية معنوية دقيقة ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب ( مقدمة في أصول التفسير ) : ( فإن الترادف في اللغة قليل ، وأما في ألفاظ القرآن فإما نادر وإما معدوم ، وقلَّ أن يُعَبَّر عن لفظٍ واحدٍ بلفظٍ واحدٍ يؤدي جميع معناه ، وهذا من أسباب إعجاز القرآن )
