إليكِ يا رفيقةَ الروح
بقلم: إيلاف عبد الوهاب
أكتبُ إليكِ وفي خاطري كلُّ دمعةٍ خبأتِها خلف ابتسامة صامدة، وكلُّ رجفةٍ سكنت يدكِ حين خذلكِ مَن كنتِ تظنينهم السند. أكتبُ إليكِ لأذكّركِ بما نسيتهِ في زحام الوجع: أنكِ "عظيمةٌ جداً"، لا بانتصاراتكِ فحسب، بل بتلك الروح التي لا تزال تُحاول رغم كل شيء.
عزيزتي..
ما عاشَ ولا كانَ مَن يكسرُ إنسانًا قد كرّمه الله بنفخةٍ من روحِه. أنتِ لستِ كيانًا للمحو، بل كِيانٌ صُنع ليبقى ويسمو. في رحلتكِ، لا تنظري للخذلان كأثرِ جرح، بل كـ "هزّة وعي". كل خيانةٍ عَبَرت، وكل يدٍ أفلتت، لم تأتِ لتهدمكِ، بل جاءت لتبني فيكِ جدارًا من الصلابة. هي مجرد محطات، وأدواتٌ للنضج لا معاول للهدم؛ نستخدمها لنقوى لا لنتلاشى، ولنرتفع فوق أوجاعنا لا لنسقط فيها.
استخدمي أولئك الذين حاولوا كسرَكِ كدرجاتٍ في سُلّم ارتقائكِ. اجعلي من خيباتكِ بصيرة، ومن طعناتهم دروعًا. مَن أراد إطفاء روحك، لم يزدكِ إلا اشتعالاً، لأنّ المعدن الذي صُقل بالنار لا يصدأ أبدًا. لقد أرادوا بكِ كسرًا، فأراد الله بكِ "جَبرًا" يجعلكِ النسخة الأذكى والأقوى من نفسك.
وحينما تتخطينهم، لا تظني أنكِ قد خلصتِ من مكرهم للأبد؛ فالضعفاء لا يتحملون رؤية حقيقتهم في غيابكِ، ولا يطيقون فكرة أنهم "لا شيء" دون أثرهم فيكِ. لذا، سيعودون.. وسيرتدون أقنعة الضحية، ويصنعون الأكاذيب ليُداروا بشاعة أفعالهم ويشوهوا نقاءكِ. اعتبري مكرهم هذا فصلاً جديداً من "تحديات الوعي"؛ استخدميهم وقوداً لطموحكِ، ولا تجعليهم يستخدمونكِ جسراً لغسل ذنوبهم.فلا تمنحي العابرين سيادةً على قلبك، ولا تأخذي زيف الدنيا على محمل الجد. تعاملي معها كاختبارٍ للروح، واخرجي منها أنقى، وأكثر فهمًا لخبايا النفوس. مَن أدرك حقيقة "اللعبة" نجا.. ومَن فكّ قيد التعلق بغير الله عَبَر.
وتذكري دوماً قانون العبور الالهي: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾
الدنيا ليست دار قرار، بل هي "مسرحُ اختبار" صُمم ليُظهر مكنون مَعدنك. هي "لعبةُ أقنعة"، يرتدي فيها الناس أدواراً قد تؤلمكِ، لكنها في النهاية مجرد مَشاهد ستنتهي بانتهاء العرض. حين تدركين أنها (لعب)، ستلعبينها بذكاء الفرسان، دون أن تسمحي لنتائجها أن تكسر قلبك. وحين تدركين أنها (لهو)، ستترفعين عن الانغماس في تفاصيل صراعات الضعفاء، وستنظرين لكل من حاول كسركِ كلاعبٍ عالقٍ في القاع، بينما اخترتِ أنتِ السيادة والعبور.
وفي الختام
أنا آتيةٌ إليكِ من المستقبل، من تلك النقطة التي تلي كل هذا التعب، لأهمس في أذنكِ بيقين: "سوف تبتسمين يوماً على تفاهة ما أحزنكِ، وسوف ترين في أعينهم الندمَ عليكِ يصرخُ صمتاً؛ صرخةً مكتومةً لضياعِ روحٍ كروحِك لا تُعوض. سوف تنظرين للخلف وتدركين أن كل جرح كان باباً لخيرٍ لم تتخيليه، وسوف تشكرين كل مَن خذلكِ لأنه أعادكِ غصباً إلى نفسكِ.. وإلى الله."
